أفاقت إيران فجأةً على حقيقة أهمية ممر مضيق هرمز، وتريد التفاوض على إدارته! وكان ذلك يستقيم لو حصل الأمر قبل عقود. ولو كان المضيق خاصاً وليس ممراً دولياً، وقد كان كذلك على مدى الدهر، حتى قررت إيران استخدامه في «الدفاع عن النفس» وظنها أنّ كلّ الدول تتأثر بالإقفال فتضغط من أجل إنهاء الحرب. لكنّ الأمر انقلب على عكس ما توقّع الإيرانيون. فبعد أن كان الأوروبيون يأبون مشاركةَ ترامب في حربه على إيران وفي فتح مضيق هرمز، صار الأوروبيون يريدون تنظيم حملتهم الخاصة لفتح المضيق وتأمين السفن. وما بقي طرفٌ، حتى الصين، إلاّ وطالب بفتح المضيق. 
    هذا الجدال بشأن الحقوق والشراكات في المضيق حديث النشأة، لكنه قد لا يخمد بعد الآن. إلا أنّ الجدال طويل المدى هو جدال «النووي» القائم منذ عام 2003. فيومها تنبّهت الولايات المتحدة، ثم الدول الأوروبية، إلى أن إيران صار لديها برنامج للنوويات، وربما كانت تخطّط لإنتاج القنبلة النووية، وبخاصةٍ أنه تسرّبت معلومات عن مساعدات تقنية تلقّتها من باكستان وليبيا. قرّر الأميركيون تحويل الملف النووي الإيراني من وكالة الطاقة إلى مجلس الأمن الدولي، وجاءت موجات العقوبات، ثم موجات التفاوض الإيراني مع الأميركان، وبخاصةٍ أيام أوباما، حيث انعقد اتفاق على تخفيض التخصيب، وتأجيل الملف لعشر سنوات تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية (2015). وهو الاتفاق الذي رفضه ترامب وأبطله من جانبٍ واحد عام 2018. ما كان أحدٌ من المراقبين يفهم تمسك إيران الشديد بالنووي. ثم قيل إنّ النووي ضمان أمني وحماية وهيبة مثلما حصل مع دول أخرى في الثمانينيات.  والآن وقد اشتعلت المفاوضات كاشتعال الحروب نجد إيرانَ مصرّةً على تأجيل التفاوض بشأن النووي إلى محادثاتٍ لاحقة، رغم أنها مهدَّدةٌ بالحرب من جديد!
    والملف الثالث الذي ناورت فيه إيران وتناور هو ملفٌ الأذُرع التي اصطنعتها في صورة ميليشيات مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهو ملفٌّ طويل جداً، حيث اضطُّرت إيران للتخلي عن بعض أذرعها في سوريا التي تمرّدت وطردت الإيرانيين وميليشياتهم. والأذرع أداةٌ إيران للإضرار بدول الجوار وأمنها ووحدتها. ولأنها في الأعم الأغلب لا علاقة لها بمكافحة إسرائيل وإنما بالأوضاع الداخلية في بلدانها، فالفكرة الآن أنها بعد أن فقدت سوريا مستعدة للمساومة والتفاوض على رؤوس الميليشيات الأُخرى الموالية لها بعد أن كان الظن بعدم إمكان ذلك. والاختبار جارٍ الآن بشأن مطلب الدولة العراقية بنزع سلاح الميليشيات. 
    لكنّ إيران حتى الآن تبدو شديدة التمسك بسلاح «حزب الله» في لبنان، ويدّعي الإيرانيون أنهم جعلوا الحزب وسلاحه جزءاً في التفاوض مع الولايات المتحدة بحيث إن جرى وقف النار مع الولايات المتحدة، فسيتوقف القتال في لبنان أيضاً، رغم إنكار الدولة والحزب المسلح لهذه الدعوى، وكذلك الولايات المتحدة أيضاً. والمفهوم أنّ علة هذا التمسك ليس الاهتمام بأمر الحزب، بل إنّ الحزب لا تزال عنده وظيفة يؤديها عبر بالتحرش بإسرائيل حتى تكون الحرب قد انتهت ولم يَعُد الحزب مفيداً.  كل ملفات الخصومة بين إيران والولايات المتحدة، وإيران والدول العربية، ومنها المضيق والنووي والأذرع، هي ملفات مصالح موهومة تتمسك بها إيران. وقد ظهر أيضاً ملف التعويضات. إنها ملفات مصالح وادعاءات معظمها موهوم، وكانت الولايات المتحدة قد تساهلت بشأنها وأطمع ذلك إيران، لكنها لم تَعُد كذلك الآن. وقد يعني ذلك، ما دامت السياسات قد تغيرت، أن تستمر الحروب أو تتكرر، وهي شرٌّ كبير على سلام المنطقة وسلام العالم. 

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية