"حفلات الشاي"... شعبوية زائفة
في صباح الرابع عشر من شهر أكتوبر الجاري، تسبب هجوم إلكتروني في تعطيل شبكة غرفة التجارة الأميركية. غير أن ما حدث لم يكن هجوماً عدوانياً استهدف غرفة التجارة، إنما نتج عطل الشبكة الإلكترونية للغرفة عن انهمار التبرعات عليها ولصالحها إلكترونياً. وكان ذلك من الأحداث الاستثنائية النادرة في تاريخ بلادنا، أي أن يتطوع رجل الشارع العادي ويتبرع بحر ماله لجعل الأثرياء أكثر ثراءً. أليست هذه شعبوية تفوق حد الوصف والخيال؟ بقي أن نقول إن هؤلاء المتبرعين لصالح هدف "فورشن 500" كانوا قد استجابوا للنداء الإذاعي الذي وجهه إليهم "جلين بك" الزعيم الفعلي لحركة "حفلات الشاي" بقوله: ضعوا أموالكم حيث تستطعمون. فإن كان في جيبك دولار، عليك التبرع به لصالح غرفة التجارة الأميركية. وأضاف "بك" قائلاً: "إن أعضاء الغرفة هم آباؤنا، بل أجدادنا... إنهم نحن".
لكن هل هم كذلك بالفعل؟ حسب علمي فإن الذين أدرجت أسماؤهم في قوائم عضوية غرفة التجارة، هم ممثلون لكبرى الشركات وأثراها في بلادنا: بفايزر، كونكوفيلبس، لوكهيد مارتن، جي بي مورجان تشيز، داو كيميكال، كين ستار للاستشارات القانونية، ورولز رويس نورث أميركا... وغيرها. وفيما أعلم فلا شيء في تاريخنا يؤكد حب الحركات القاعدية الشعبية لسيارات الرولز رويس، كما لا شيء يربط بين الحركات الشعبوية وغرفة التجارة الأميركية. والحقيقة أن في وصف "بك" لكبرى المجموعات والشركات الاستثمارية في بلادنا بأنها "نحن" ما يكشف بوضوح تام عن القوة الاقتصادية المالية الحقيقية التي تقف وراء حركة حفلات الشاي. ويجدر بالذكر أن الدخل السنوي لزعيم الحركة نفسه، "جلين بك"، يقدر بحوالي 32 مليون دولار! فليس ممثلو الحركة وقادتها فلاحين فقراء كادحين، بل مجموعة من أثرى الأثرياء يحكمون قبضتهم على الحركة وأجندتها.
وعقب حملة التبرعات الإلكترونية تلك ساد الغضب الشعبي في أوساط الفقراء الذين اقتطعوا من لقمة عيشهم للتبرع لصالح غرفة التجارة. لكن كان قد فات الأوان على ذلك الغضب بعد أن تعرضوا للغش والخديعة والاستغلال من قبل بعض قادة الحركة الذين تظاهروا بأنهم شعبويون بينما هم ينتمون لطبقة الأثرياء نفسها المهيمنة على الحركة. والغريب أن حركة حفلات الشاي تدعي استهجانها ومعاداتها لهذه النخب الفاحشة الثراء. وبالنتيجة فقد "شرب المقلب" عامة الأميركيين الذين كان قصدهم بالأساس تحميل ضيق العيش والبطالة التي يعانونها لطبقة الأثرياء هذه، لكن لدهشتهم جميعاً وجدوا أنفسهم ينهالون بتبرعاتهم السخية للطبقة نفسها التي أرادوا تحميلها المسؤولية عما يحدث لهم!
ولنضرب أمثلة محددة لقادة الحركة ومرشحيها في انتخابات نوفمبر النصفية المقبلة. ففي سباقات مجلس الشيوخ بولاية كونيكتيكت، هناك المرشحة ليندا ماكموهان، التي تملك هي وزوجها إمبراطورية عملاقة للمصارعة الحرة، تقدر أصولها بمليارات الدولارات. أما منافس عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي في ويسكونسن -السيناتور روس فاينجولد- فهو رون جونسون الذي يجني ملايين الدولارات سنوياً من وظيفته الإدارية في القطاع الصناعي. وفي ولاية ميتشجان، ينفق ريك سنايدر بسخاء على حملته الانتخابية على أمل الفوز بمنصب حاكم الولاية. ويذكر أن سنايدر كان يرأس سابقاً مجموعة "جيتواي كمبيوترز" العملاقة. وفي ولاية نيويورك تدعم حركة حفلات الشاي المشرح الجمهوري كارل بالادينو الذي تقدر ثرواته بنحو 150 مليون دولار. وفي ولاية فلوريدا، هناك ريك سكوت الذي يخوض السباق الانتخابي من أجل الفوز بمنصب الحاكم، وتقدر ثروته بحوالي 219 مليون دولار، يجنيها من وظيفته الإدارية القيادية في مجال الرعاية الصحية. ومن هناك ننتقل إلى ولاية كاليفورنيا التي تخوض فيها السباق عن الحزب الجمهوري لعضوية مجلس الشيوخ، كارلي فيورينا، المدير التنفيذي السابق لشركة هوليت -باكارد.
وفي الجانب الآخر، فإن هناك أيضاً للديمقراطيين قادتهم الشعبويين الزائفين. فقد خاض الملياردير جيف جرين محاولة فاشلة لكسب سباق الترشيح لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية فلوريدا. ويذكر أن "جرين" كان قد جنى ثروات طائلة من مبيعات القطاع العقاري الأساسي، التي كانت سبباً رئيسياً في الأزمة المالية الاقتصادية التي لا تزال بلادنا تعاني آثارها. غير أن الديمقراطيين هم من يدافعون عن أنفسهم ضد مزاعم واتهامات النخبوية التي توجه إليهم في هذه الانتخابات.
أما مخاوف النخبة وتسترها وراء النزعة الشعبوية الزائفة في حركة حفلات الشاي، فمردهما إلى علم قادة الحركة بأن التغيير الحقيقي قادم لا محالة. وهذا ما أكده حرفياً المحلل السياسي المحافظ "توني بلانكلي" الذي ينأى بنفسه عن شعار "النخبة"، رغم عمله سابقاً مع رئيس مجلس النواب، وانشغاله حالياً في تأسيس شركة للعلاقات العامة. ومما قال به "إن حركة حفلات الشاي سوف تفرض قيوداً على الهيمنة الاقتصادية والانتخابية للنخبة". لكن من الذي يضطلع بمهمة تقييد هيمنة النخبة هذه؟ ولماذا يسعى مرشحون نخبويون من أمثال جو ميلر، خريج كلية القانون بجامعة "يل"، الذي يخوض سباق الترشيح لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية ألاسكا، وكذلك المرشح لاند بول -خريج كلية ديوك الطبية- بولاية كنتاكي، وكن بك -خريج جامعة برنستون- الذي يخوض سباقات عضوية مجلس الشيوخ بولاية كولورادو... إلى تقييد أنفسهم؟ وبهذا نصل إلى السؤال الأهم: من الذي يساعد أعداء النخبوية هذه على الوصول إلى المناصب الحكومية التشريعية العليا؟ ليكف قادة حركة حفلات الشاي عن خداع الناخبين وعامة الجمهور بشعبويتهم الزائفة هذه، بينما هم غارقون في نخبويتهم حتى النخاع!
دانا ملبانك
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس"