هناء الحمادي (أبوظبي)
دولة الإمارات غنية بتراثها الحضاري الذي ورثته عبر مختلف حقبها، ويظهر ذلك بوضوح في تعدُّد الحِرف والصناعات التقليدية التي تعكس ذوقاً فنياً وتراثاً غنياً. وقد تميزت بموروثها البحري وبأمجاد سطّرتها الأشرعة.
يعود تاريخ الملاحة البحرية في الدولة إلى قرون خلت، وتوارث حِرفها الأبناء عن الأجداد، وحافظوا على أسرارها، وأبدعوا في صناعتها. وهكذا رفعت سواعد الأوّلين رايات الوطن عالياً خفاقة بين الأمواج.
دقة وإتقان
تتطلب حرفة «صناعة الأشرعة» من الحرفي أن يكون ماهراً للغاية، لأن أطوال الأشرعة تُحسب بطريقة معينة حتى تتلاءم مع مختلف أنواع السفن، وأي خطأ في الطول يجعل الأشرعة غير ملائمة للسفن.
علي محمد آل علي له باع طويل في هذه الحرفة، ويشارك في الكثير من المهرجانات التراثية، حيث يعمل بدقة وإتقان حين يحوك الأشرعة التي تمتد أمتاراً بين يديه. يتحدث عن تعلقه بهذه الحرفة التي ورثها عن أجداده وتعلمها على يد والده، موضحاً أنه يحاول نقل شغفه للأجيال الحالية والمقبلة.
ويقول: تمكن السكان قديماً من ابتكار أدوات بسيطة استخدمها في «صناعة الأشرعة»، وتلك الأدوات على الرغم من بساطتها، صنعت أجود وأضخم أنواع السفن التي تبحر بحثاً عن اللؤلؤ.
«المح» و«الداسي»
ويكشف آل علي تفاصيل «صناعة الأشرعة» التي يدخل فيها قماش الغزل القديم ليمتص الماء، والحِبال والخيوط وإبرة الخياطة. ويوضح أن القماش يُبسط بعد خياطته، ثم يوضع الحبل ويُفصَّل الشراع، بعدها تُثنى قطعة القماش على الحبل، ويُخاط الشراع بالكامل. ولتوثيق القماش يوضع حبل تحت القماش في بطن الشراع يُسمى «المح»، يُخاط من جديد، وبعد تحديد الشراع من الأعلى يُضاف من كل الجوانب حبل آخر يُسمى «الداسي». وصناعة الشراع الواحد تستغرق بضعة أيام، ويمكن أن تُنجز في يوم واحد إذا تعاون عليها عدد من الصنّاع.
3 أنواع
يتحدث علي آل علي عن أنواع الأشرعة قائلاً: ينقسم الشراع إلى 3 أنواع، الشراع الكبير، يتكوَّن من 7 قطع بارتفاع 7 أمتار يُستعمل خلال هدوء الجو واعتداله، والثاني الشراع المتوسط، يوضع فوق السفينة خلال هبوب العواصف، والثالث الشراع الصغير، ويُستعمل خلال العواصف الشديدة كي لا يثقل السفينة ويعرِّضها للغرق.
ويضيف: نسج الأشرعة وحياكتها اعتُبر في الماضي حرفة أساسية لما تدر على الأسر من مصدر دخل جيد في حياتهم اليومية، ولاسيما لعيشهم على مقربة من البحر، حيث يتنشر الصيادون وتتنامى عملية استخراج اللؤلؤ، ما ساهم في الطلب المتزايد على توفير الأشرعة.
صاري السفينة
الشراع سطح يُصنع عادة من القماش، يُنشر ويُثبَّت على صاري السفينة حتى يواجه الرياح، لغرض دفع قارب السفينة أو أي مركبة أخرى في الماء.
مهارة
اشتهر سكان المناطق البحرية ببراعتهم في الحِرف والصناعات بقدر مهاراتهم كصيادين، وصنعوا الأشرعة يدوياً بهدف استخدامها في الصيد والتجارة.
عملية معقَّدة
ويذكر آل علي أن عملية حياكة الأشرعة تعتمد على استخدام الأيدي والأرجل في آن معاً، وهي معقَّدة وتدخل في تركيبها الألواح الخشبية وأعواد رفيعة من الخيزران وخيوط دقيقة وحِبال. وتمتد هذه الخيوط الكثيرة لمسافة طويلة قد تصل إلى 60 قدماً تقريباً. ويقوم بالصناعة رجال ذوو خبرة، لما تتطلبه هذه المهمة من دقة ومهارة وصبر وسعة صدر.