6 يناير 2011 20:50
لم يجد محمود عبدالحليم (48 سنة) سبيلا للتغلب على ضيق مساحة منزله إلا بضم الشرفة إلى مساحة الشقة وتفصيل ركن صغير من تلك الأمتار القليلة ليصبح غرفة لابنته الطالبة بالثانوية العامة كي تتمكن من المذاكرة فيها بعيداً عن مشاغبات أشقائها. ويشير عبدالحليم، وهو صاحب بقالة في حي المطرية بالقاهرة، إلى أن فكرة الاستفادة من شرفة منزله تعززت لديه بعد أن تعذر الحصول على شقة أخرى بمساحة أكبر.
ضغوط الحياة
يقول عبدالحليم “لا أذكر متى جلست في شرفة منزلي فضغوط الحياة تجعلني أتواجد خارج المنزل غالبية ساعات اليوم كما أن زوجتي لجأت إلى تخصيص جزء من مساحة الشرفة كمخزن للكراكيب القديمة، لذا كان القرار باستقدام مقاول وهدم جدار وبناء آخر في عملية لم تستغرق أكثر من يومين وخصصت مساحة صغيرة بها مكتب وكرسي وجدار عازل من الزجاج”.
وما جرى لشرفة هذا المنزل حلقة جديدة من ظاهرة تفرض نفسها كأسلوب حياة انتهجه فريق من الأسر المصرية في الآونة الأخيرة في ظل تأزم الوضع الاقتصادي وضيق مساحات غالبية الشقق حيث تغيرت وظيفة ودور شرفة المنزل (البلكونة)، وتجاوزت الغرض الذي أنشئت من أجله، وتحولت من مكان يتيح لأفراد الأسرة الاستمتاع بمشاهدة المنظر العام للشارع والمكان المحيط بالبيت أو تبادل الحديث مع الجيران أو الاستمتاع باستقبال شمس الصباح أو توديعها في المساء مع تناول فنجان القهوة، إلى أدوار أخرى في حياة غالبية الأسر المصرية فتارة هي المنقذ وطوق النجاة من أزمة ضيق مساحة السكن بدمجها مع الغرف، أو هي مخزن للاحتفاظ بالكراكيب أو الأشياء غير المستعملة فضلا عن استخدامات أخرى كتعليق أطباق الدش، ونشر الملابس بعد غسلها وهناك من يلجأ إلى استغلالها في تربية بعض الطيور في ركن مخصص لذلك من الشرفة بواسطة أقفاص كنوع من الاكتفاء الذاتي، حتى المدن الجديدة غير العشوائية مساحات شرفاتها صغيرة وباتت تستغل بتلك الصورة لأن مساحات غالبية الشقق الكلية لا تزيد على 63 متراً ما يدفع بسكانها إلى الاستفادة من الشرفات.
حجب الرؤية
أدى هذا التفاوت، حسب سهير حواس الخبيرة بالجهاز القومي المصري للتنسيق الحضاري، في استخدام الشرفات إلى اعتبارها أحد أشكال التلوث البصري في القاهرة خاصة أن التبديل الذي يطرأ عليها يتم دون مراعاة التناسق فيما بينها وبين واجهات المباني وأبعادها من النواحي العمرانية والجمالية.
كما يحرص بعض المصريين على إخفاء شرفاتهم بأغطية قماشية أو بزجاج غامق يحجب ما يدور خلفها عن المارة في حال استخدامهم الشرفات لنشر الغسيل، وهو الأمر الذي بات يتطلب من ربة المنزل أن تغطي رأسها وترتدي ما يستر جسدها وهو ما تفسره وفاء خالد موظفة بقولها “نتيجة لعوامل كثيرة باتت المرأة التي تخرج إلى الشرفة، لا تسلم من التعليقات لاسيما إذا خرجت بثياب البيت فتجد من يتلصص عليها بنظراته، ومن يتجرأ فيتحرش بها بكلمات ما يوقع الكثيرات في مشاكل وخلافات بعضها ينتهي بخراب البيوت والطلاق، وأخرى في أقسام الشرطة”.
وتضيف “أصبحت شرفة المنزل مكاناً محرماً على النساء بملابس البيت حتى لو اضطرت المرأة لذلك فجأة أو نسيت، ولذا كان الاتجاه إلى إخفاء الشرف بستائر يتم تعليقها بواسطة مواسير تغرس في أرجاء الشرفة من الخارج، وبذلك تكون ربة المنزل في مأمن في حالة اتجاهها لتنظيف الشرفة أو فتح باب الشرفة دون أن تخشى تلصص الجيران”. ولا تنفي خالد أن الحاجز القماشي على الشرفة يمنح منزلها منظراً سيئاً من الخارج ويشوه المظهر العام للعقار ككل رغم كونه حديث الطراز. وتقول “المنظر ليس جميلا لكن ما العمل؟ هذا أرحم من المشاكل والخلافات”.
الاتهام بالتلصص
تقول سماح سعيد (موظفة) “لا أذكر أنني تواجدت في الشرفة ذات يوم باختياري ودائما أكون مضطرة فهي لم تعد مكانا يصلح للرومانسية وجلوس الأزواج وقت الغروب لتناول القهوة وتبادل الحكايات، فإلى جانب ضوضاء الشارع والتلوث المنبعث من دخان السيارات هناك نظرات المتطفلين وكلماتهم الجارحة والابتعاد عن الشرفة أفضل تجنباً للمشاكل”.
وتقول سميرة خليل، ربة منزل، “نستخدم مساحة من الشرفة كمخزن لوضع الأدوات الكهربائية القديمة والمفروشات غير المستخدمة وأحذية الأبناء وملابسهم القديمة التي يصعب علينا الاحتفاظ بها في أي من الغرف لضيق المساحة لذا عمل زوجي على تغطية الشرفة بالقماش كي نتحرك براحتنا”.
ليست النساء وحدهن يعانين من الشرفة إذ أن كثيراً من الرجال يواجهون نفس الأمر إذ لا يمكنهم الوقوف في شرفات منازلهم لاستنشاق الهواء خاصة إذا كانت مطلة على أحياء سكنية وشوارع ضيقة، لأن الواقف في الشرفة مهما بلغت براءته وعفته مدان من الآخرين بالتلصص على حرمات المنازل، وربما يتطور الأمر ليجد من يخرج عليه من إحدى الشرفات المقابلة وهو يصرخ فيه معاتبا.
ويقول علاء الدين عبدالفتاح (مدرس لغة إنجليزية) “الجلوس في الشرفة سواء كنت بمفردي أو مع زوجتي يخلق مشكلات مع ساكني الحي فلو كنت بمفردي اتهم بالتلصص، ولو كانت معي زوجتي أشعر بالغيرة عليها فالعمارات متلاصقة ومتجاورة والسكان كلهم ينظرون لبعضهم، وزوجتي لا تأخذ راحتها الكاملة وتشعر بالحرج ولذا فالشرفة بالنسبة لأسرتي مكان نضع فيه طبق الدش والكراكيب التي لا نحتاج إليها في الوقت الراهن”.
المصدر: القاهرة