هدى جاسم ووكالات (بغداد)
رشحت قيادات «تحالف البناء»، الذي يصف نفسه بأنه الكتلة الأكبر، قصي السهيل رسمياً لرئاسة الحكومة العراقية، أمس، وأرسلت كتاباً بذلك إلى رئيس الجمهورية برهم صالح، في تحد للمتظاهرين الرافضين للسهيل باعتباره جزء من الطبقة السياسية، التي تحتكر الحكم منذ 16 عاماً في البلاد، ويطالبون بمرشح مستقل.
ويصف «تحالف البناء»، المؤلف من كتلتي هادي العامري ونور المالكي، نفسه بأنه الكتلة الأكبر في البرلمان، رغم أن رئاسة الجمهورية في العراق، قد خاطبت مجدداً، مجلس النواب أمس لإعلامها باسم الكتلة الأكبر، وذلك بعد أن حددت المحكمة الاتحادية العليا في وقت سابق مواصفات تلك الكتلة المناط بها تسمية رئيس لتشكيل الحكومة العراقية بعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر دعا في تغريدة على «تويتر»، موجهاً كلامه إلى «كتلة البناء» العراقية، ووزير التعليم العالي قصي السهيل المرشح لرئاسة الحكومة إلى حقن الدماء قائلاً: «احقنوا الدم العراقي واحترموا أوامر المرجع في إشارة إلى المرجع العراقي علي السيستاني»، وأضاف: «احترموا إرادة الشعب واحفظوا كرامتكم، هذا خير لنا ولكم وللعراق أجمع». لكنه عاد وحذف التغريدة.
والسهيل عضو سابق في تيار الزعيم مقتدى الصدر، وانضم فيما بعد إلى كتلة دولة القانون، التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
وكانت مصادر سياسية عدة مقربة من دوائر القرار في العاصمة العراقية أكدت أن مسؤول ملف العراق في ميليشيا «حزب الله» اللبناني محمد كوثراني، يدفع باتجاه إقناع القوى السياسية بترشيح السهيل.
وميدانياً، رفع المتظاهرون العراقيون الصوت في وجه تسويف السياسيين غير القادرين على التوافق حول رئيس جديد للوزراء مع انتهاء المهلة الدستورية أمس، وأمام إصرار الميليشيات المسلحة على عدم التنازل عن اختيارها الوزير السابق قصي السهيل لرئاسة الوزراء.
وأقدم آلاف المتظاهرين على قطع الطرقات وإغلاق الدوائر الحكومية في غالبية مدن جنوب العراق أمس، الموعد الذي حددته السلطات لإعلان مرشح لرئاسة الوزراء.
وفيما يؤكد مسؤولون سياسيون أن الميليشيات المسلحة في العراق، تواصل سعيها لتمرير مرشحها قصي السهيل الذي كان وزيراً في الحكومة المستقيلة، أعلن الشارع رفضه التام للسهيل.
ومساء أمس الأول، أعلن المتظاهرون في الديوانية والبصرة بجنوب البلاد «الإضراب العام»، بعد ثلاثة أشهر من احتجاجات غير مسبوقة أسفرت عن مقتل أكثر من 530 شخصاً وإصابة 25 ألفاً آخرين بجروح.
وبعد أسابيع عدة من الهدوء في الاحتجاجات بفعل حملات الترهيب والخطف والاغتيالات التي تقوم بها «ميليشيات» وفق الأمم المتحدة، فإن الانتفاضة عادت لتُستأنف أمس.
وأعلن أحد المتظاهرين في المخيم بوسط المدينة أن «الثورة مستمرة». وكان المتظاهرون رحبوا في نهاية نوفمبر الماضي، باستقالة حكومة عادل عبدالمهدي. واليوم، هم يريدون إسقاط رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ورئيس الجمهورية برهم صالح، اللذين يتهمونهما بـ«المماطلة».
ويواجه البرلمان الحالي انقساماً هو الأكبر في تاريخ العراق الحديث. وقد فشل النواب يوم الأربعاء الماضي في الاتفاق على إعادة صياغة قانون الانتخابات، أكبر إصلاح قدمته السلطات إلى المحتجين، ورفعوا الجلسة حتى اليوم.
وفي غياب اتفاق بين الكتل البرلمانية على الشخصية التي ستوكل إليها مهمة تشكيل الحكومة، مدد صالح المهلة الدستورية حتى يوم أمس، علماً بأن الدستور يلزمه بتسمية مرشح خلال 15 يوماً بعد انتهاء المهلة الدستورية الرسمية.
وقال متظاهر في الديوانية: «إنهم لا يحترمون الدستور». ويهتف المحتجون في ساحة التحرير وسط بغداد «برهم وحلبوسي جاء دوركما».
وفي الديوانية أيضاً، أغلقت مجموعات من المتظاهرين الإدارات الرسمية الواحدة تلو الأخرى، رافعين لافتات كتب عليها: «نعتذر لإزعاجكم، نعمل لأجلكم».
وقام عشرات المتظاهرين، أمس، بإغلاق الطرق السريعة التي تربط مدن الجنوب العشائري والنفطي ببغداد، بالإطارات المشتعلة، احتجاجاً على تسمية السهيل، بحسب شهود عيان.
وفي كربلاء والنجف، أغلق الطلاب المضربون كل المدارس، وتجمعوا بالآلاف في الساحات، بحسب شهود العيان. وفي الناصرية، أقدم المتظاهرون على قطع الجسور وطرق محورية عدة، فيما ظلت جميع الإدارات الرسمية مغلقة.
وفي العاصمة بغداد تجمع الطلاب في ساحة التحرير المركزية بوسط العاصمة. وقالت المتظاهرة هويدا، البالغة من العمر 24 عاماً، وهي طالبة في كلية العلوم: «نرفض سيطرة الميليشيات الموالية للخارج على بلادنا، ويجب أن يعود العراق لما كان عليه».
ومن جانبه، اعتبر معتز البالغ من العمر 21 عاماً، أنه بعد سقوط الشهداء بالمئات، «نريد شخصية نزيهة وشريفة».
شاب بُترت ساقه مصمم على الاحتجاج «فداء للوطن»
بُترت الساق اليسرى للشاب العراقي هادي علي، البالغ من العمر 18 عاماً، جراء إصابته في اشتباكات مع قوات الأمن خلال مشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة العراقية بمدينة البصرة. ومع ذلك لا يرى أن إعاقته تحول دون استكمال مشاركته في المظاهرات ويؤكد التزامه بالمشاركة فيها «فداء للوطن»، رغم عاهته المستديمة. وأُصيب علي برصاصة في ساقه بمدينة البصرة جنوب العراق خلال اشتباكات مع قوات الأمن أمام مبنى المحافظة بالمدينة يوم 25 أكتوبر الماضي. وقال علي: «خرجت دفاعاً عن الوطن من أجل إسقاط الحكومة الفاسدة، والفساد في العراق»، مضيفاً: «كلنا يد واحدة، وإن شاء الله، عدت وإياكم، وأفتخر».
وعلى الرغم من إصابته والغموض الذي أصبح يحيط بمستقبله، فإن الشاب على يقين من أنه وأقرانه المحتجين سيسقطون الحكومة، التي يرون أن الفساد متغلغل فيها وأنها تورث معظم العراقيين الفقر.
وأوضح علي: «سأواصل الاحتجاج، ورغم أن الروح عزيزة، لكنها فداء للوطن، فقدت ساقي، لكن أهم شيء أن الوطن سالم».
وفي بغداد، تعرض أحمد، وهو مسعف متطوع، لإصابة أقل خطورة. فقد كُسرت ذراعه خلال اشتباكات مع قوات الأمن. وظل في المستشفى لنحو ثلاث ساعات فقط ليضع ذراعه في الجبس.
وهرع أحمد بعد ذلك، وهو يعلق ذراعه في عنقه، لمساعدة المحتجين المصابين في عيادة مؤقتة بقلب ساحة التحرير في العاصمة العراقية.
وأحمد وعلي مجرد نموذجين من بين آلاف المحتجين السلميين الشباب الذين خرجوا إلى شوارع العراق منذ تفجر موجة الاحتجاجات الشعبية على الأوضاع المتردية في الأول من أكتوبر.