'الاتحاد' ـ خاص:
ليس الضحك كفيلاً بإدخال البهجة الى القلوب والنفوس فحسب، بل انه قد يطيل العمر ويرفع المعنويات ويعزز الثقة بالنفس، بعدما بات العلماء على يقين بأن للضحك فوائد صحية جمّة، إذ أنه في الدرجة الأولى تمرين عضلي وتنفسي، من شأنه إزالة التوتر وإحداث حالة من الاسترخاء الجسدي، وتسكين الآلام الأكثر حدة··!
كان القدماء يؤمنون بالتواتر والسليقة بأن الضحك مفيد للصحة عبر 'تدليكه الأعضاء الداخلية'، ولم يعد في الإمكان اليوم الاستخفاف بهذا الاعتقاد واعتباره جزءاً من التقاليد، إذ أن الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت صحة هذا الاعتقاد وكشفت الدراسات أن ضحكة من الأعماق تنشط عملية التنفس والدورة الدموية وتقوي بعض المجموعات العضلية الأخرى في الجسم·
ويعتبر الضحك نوعاً من الرياضة البدنية، إذ أظهرت المقارنة بين الضحك ورياضة 'الجري' أو 'الهرولة' الخفيفة ان تأثير عشرين ثانية من الضحك على جهاز القلب والشرايين، يعادل تأثير ثلاث دقائق من الهرولة أو المشي السريع!
والضحك هو كناية عن فعل انعكاسي، كما أنه، إذا ما جرد من مظاهره الخارجية، عبارة عن سلسلة من التقلصات اللاإرادية للحجاب الحاجز الفاصل بين الصدر والمعدة، تؤدي الى استرخاء وانقباض عضلات التنفس ضمن تواتر سريع، ما يساهم في توسيع حجم تجويف الصدر، الذي يسمح بدوره للرئتين بتنشق المزيد من الأكسجين وطرد المزيد من ثاني أوكسيد الكربون، وبنسبة أكبر من المعتاد·
فضلاً عن ذلك، فإن عضلات التنفس الموجودة في البطن والصدر، ليست الوحيدة التي تتأثر إيجاباً بالضحك، فخلال الضحكة الكبيرة الصادرة من الأعماق يؤثر 'تمرين' الضحك أيضاً في عضلات الذراعين والساقين وفي العديد من عضلات الوجه، كما ترفع الضحكة معدل حرق السعرات الحرارية المعروفة بـ 'الكالوريهات'، وتزيد حرارة الجسم وتساهم التقلصات والانقباضات العضلية التي يولدها الضحك (كما يحدث أثناء التمرين الرياضي) في شكل أساسي في تسارع عملية حرق السعرات الحرارية·
ويحفز الضحك على إنتاج هرمون 'الأدرينالين' في الجسم، والذي يولّد حالة جسدية تتسارع فيها دقات القلب ويرتفع ضغط الدم ويوسع بؤبؤ العين، وعلى الرغم من أن هذه الظواهر تعد إشارات على حالة إجهاد أو توتر غير أن هذا لا ينفي بأن الإجهاد أو التوتر قادر على التأثير على الجسم بطريقة إيجابية، فالضحك يثير التوتر بالنسبة نفسها التي تثيرها رؤية شخص يهواه القلب، فكلاهما يولّد البهجة والفرح في النفس، وشعوراً بالتفاؤل·
كما أن لتسارع عملية حرق السعرات الحرارية الناجمة عن الضحك تأثيرها الإيجابي على الدورة الدموية، ونجد أن القلب، وبتزايد وتيرة دقاته تحت تأثير الضحك، يعمل على ضخ كمية أكبر من الدم عبر الأوعية الدموية، فضلاً عن ان هذا الدم، وبسبب تحسن عملية تهوئة الرئتين التي تحدث أثناء الضحك، يكون غنياً بالأكسجين، وتزايد كميات الدم التي يضخها القلب عبر الأوردة والشرايين، يؤدي الى تزايد جريان الدم الى كل أعضاء الجسم والأطراف والوجه، وإضافة الى الفوائد الظاهرة للضحك هناك فوائد عديدة أخرى قد لا تظهر مباشرة·
وبالعودة الى الأدرينالين فإنه يحفر سلسلة من ردات الفعل على صعيد الغدد الصماء التي تطلق الهرمونات وتنظمها، وتبدأ السلسلة الانعكاسية، عند مستوى الغدة النخامية داخل الدماغ والتي حينما تحفز بواسطة الأدرينالين، تقوم بإفراز الهرمون المنبه لقشر الكضد الموجود عند الكلية أو الكليتين والذي يعمل بدوره على إفراز 'الكورتيزول' وهو أحد مشتقات الكورتيزون الطبيعي، المعروف بخصائصه المضادة للالتهاب، وبالتالي يمكن الجزم بأن للضحك تأثيرات إيجابية مفيدة في تسكين وعلاج آلام المفاصل، وبعض عوارض الحساسية الجلدية، أو غيرها من أشكال الحساسية، وإصابات التهابية أخرى·
إضافة الى ذلك، يجزم الأطباء من شتى أنحاء العالم بأن الضحك يحفز الجسم على إفراز مسكن الآلام الطبيعي الخاص به، والمعروف باسم 'الاندورفين' (أو المورفين الطبيعي)· وقد تبين من خلال دراسة أجريت على عدد من المرضى بأن هؤلاء الذين يخضعون لتمارين ضحك يومية قصيرة المدة نسبياً، تناقصت حاجتهم الى الأدوية بشكل عام، والى العقاقير المسكنة للآلام بنوع خاص·
وفي بداية الثمانينات، أنشأ الدكتور المتخصص في طب الأطفال 'باتش آدامس' 'عيادة المرح' في ولاية فرجينيا في الولايات المتحدة، وهي إضافة الى العلاجات الطبية الكلاسيكية، يتنكر هذا الطبيب بزيّ 'مهرج' بهدف الترويح عن مرضاه الصغار وإضحاكهم، وحققت مبادرته نتائجها الإيجابية المرجوة، وتضاءلت حاجة الأطفال المرضى الى العقاقير المسكنة للآلام· وكانت مبادرة ناجحة سعى بعض الأطباء في أنحاء أخرى من العالم الى تقليدها واعتمادها·
ففي عام 1991 أسست الدكتورة الفرنسية المشهورة باسم 'الدكتورة الزرافة' المؤسسة الفرنسية 'الضحكة - الطبيب' حققت إنجازات مذهلة، خصوصاً لدى الأطفال المصابين بأمراض سرطانية، تتطلب علاجات وكميات مرتفعة من مسكنات الآلام، إذ أن فضائل الضحك أحدثت آثارها، وأنقصت كميات المسكنات بنسبة كبيرة·
وفي عام 1995 بادر الطبيب الهندي الشهير 'مادان كاتاريا' وفي مغامرة أولية، الى الطلب من المارة والمتنزهين في حديقة بومباي العامة، المشاركة في تمرين ضحك عفوي تلقائي، وخلال فترة وجيزة، أسس هذا الطبيب أول 'ناد للضحك' يرتكز على مبدأ مستوحى من 'اليوجا' (وهي تقنية التنفس البطيء والعميق، وتمارين تمطية (تليين العنق والكتفين) بهدف تعلم 'الضحك من دون أي سبب'· ويؤكد الطبيب 'كاتاريا' ان للضحك منافع علاجية صحية عدة على صعيد مكافحة الألم والاكتئاب وتقوية جهاز المناعة في الجسم·
وفي عام 1995 نشأت 'الحركة العالمية' للضحك، وباتت تضم حتى اليوم أكثر من 2500 ناد للضحك متوزعة في أنحاء العالم، كما جرى في عام 1998 تحديد 'يوم عالمي' للضحك·
اورينت برس