العيون مفاتيح الوجوه
تنحاز التشكيلية نيفين عزالدين في معرضها “وجوه” لنون النسوة وتتسلح بالألوان الحارة لتبرز شخصياتها اللواتي هن صورة مطابقة تماما لها: “لوحاتي هن أنا بخطوط غير واضحة في البداية” كما قالت.
والمتفحص للمعرض (32 لوحة) الذي أقيم في رابطة الفنانين التشكيليين بعمان يكتشف بسهولة أن اللوحات رسمتها أنثى متمردة تعشق الألوان الحارة التي تخدم تمردها كما يحس أن بداخلها طفلة بلغة اللون ففتياتها ذوات شعر أشقر منكوش تسيطر عليهن الحيرة والتمرد انطلاقا من فلسفتها في الحياة “أن الإنسان يستطيع ممارسة الرفض أو القبول على طريقته ودون سيطرة من أحد”.
تقول نيفين عز الدين: التمرد مبدأ حياتي وهذا ما عكسته بصدق على شخصياتي “أريدهن صورة مني” غير عابئة بما يراه آخرون سلبا أم إيجابا، ولي وجهة نظر أحاول التعبير عنها من خلال الريشة واللون.
وتضيف: اتجاهي تعبيري ولا أميل للواقعية ويلفت نظري الوجوه والعيون أينما وجدت لأنهما عنوان واضح أو مفتاح الشخصية التي تقف أمامي ورغم أن شعر شخصياتي يميل للأشقر في معظمه لكنني لا أميل للشعر الأشقر لكن هكذا رأيتهن وعبرت عمّا جال في خاطري. وتعترف أن أغلب فتياتها يحملن ملامحها وهذا بصراحة تعبير عن إعجابي بنفسي دون غرور فإذا لم أحب نفسي فكيف أحب من حولي أو أجد من يحبني! فأنا لا أميل للتفاصيل في اللوحة والغموض يحفز المشاهد لأن يفكر ويمتحن قدراته وثقافته ويكتشف ماذا تريد اللوحة قوله والرسالة التي توحي بها سواء أكانت مباشرة أن غير مباشرة.
كما تعترف نيفين أيضا بأنها متأثرة بالفن الفرعوني والقصص الأسطورية كالأمير والأميرة في فرنسا، “ولا أبالغ إذا قلت إن أشكال القدماء تأسرني.. أحب أزياءهم وأنجذب بقوة للأثري والتاريخي وأغلب عيون فتياتي ممدودة وواسعة على شكل نفرتيتي المصرية ولونها خضراء وزرقاء ملفت للنظر، وهي بالمناسبة غير حقيقية وتقاسيم الوجوه من الخيال وغير خاضعة للمنطق”.
وفي معرض ردها على سؤال قالت: “نعم أغازل فتياتي وأتحدث إليهن فأنا أحب الشيء قبل أن أرسمه فكيف لا أحبه بعد أن أرسمه فكلهن مراحل من حياتي لذلك ليس من السهولة التفريط بواحدة منهن هن أنا”.
وختمت نيفين حديثها بالقول: أنا من أسرة فنية، تأثرت بوالدي رحمه الله تعالى، الذي كان رساما وأمي الشاعرة فاطمة سعد، وساعدني الفنان العراقي حسنين العزاوي في رسم خاطرة مصاحبة لقصيدة شعرية لكنني غير متأثرة بأحد، ولا أقلد أو أقتبس من أحد وكل لوحاتي نابعة من خيالي.
وتواصل: كل شيء غريب أو خارج عن المألوف يلفت نظري ويجعلني أحلق في سمائه لذا فلا غرو أن تكون شخصياتي خيالية لكن مضمونها يعبر عني بما فيها من كبرياء وتمرد وحزن وفقر فنسائي متمردات على الواقع كما أنا يقلدنني حتى في لباسي وهن مميزات ولسن مستهلكات.
وحول وجود طائر أوحد في لوحاتها هو الطاووس قالت نيفين عزالدين إنه ملفت للنظر وريشتي تستوحي جمالياتها من ألوانه وهو يمثل جمال الطبيعة بما فيه من شخصية قوية.. لا يحتاج أحدا.. معتز بنفسه ولكنه ليس مغرورا”كم نحن بحاجة لكبرياء في هذا العصر”.
الناقد التشكيلي محمد العامري رأى أن الفنانة نيفين عزالدين تطرح قيمة الوجوه التي تجمع في أشكالها بين القديمة القريبة مثلا إلى الفرعونية وبين الأدوات الحديثة التي تستخدمها المرأة أو الرجل كالبايب والقبعات كما اعتمدت في أعمالها المفارقات بين الألوان الصريحة وتفعيل الجانب التعبيري في الوجه الإنساني إلى جانب الحوارات بين الفعل الذكوري والأنثوي. وقد اتسمت أعمالها باختزال الخطوط الواقعية والذهاب للتعبيرية كما أن ألوانها صريحة ومجموعتها اعتمدت الحارة ودرجاته والأصفر والبرتقالي إلى جانب الداكنة، وهذا مبرر كونها درست التصميم حيث نجد فوارق حادة ما بين الشكل الإنساني وخلفية اللوحة.. هذا جزء من الفن الجرافيكي وفعل الرسم فقد وظفت مهنيتها في التصميم في مساحة الرسم ووجدت حلولا جيدة في المزج بين الحس التصميمي والرسم.
أما الفنان التشكيلي كمال أبو حلاوه فاعتبر أن وجوه نيفين عزالدين فطرية وطفولية تبحث عن الفرح أو تخبرنا بما هو آت من الفرح وألوانها تعكس شخصيتها البسيطة البعيدة عن تعقيدات اللون وتكوينات اللوحة الأساسية التي يرصدها الأكاديميون.. فلوحاتها تخبرنا دوما أن الوجوه مسلسل لا ينتهي تختفي وتولد من جديد وهذا ما يجعلها مستمرة في البحث عن هذه العناوين التي يحملها كل كائن بشري.
وحول ما تقوله بأن لوحاتها تعكس شخصيتها قال أبو حلاوة: إن الفنان يعبر عن ذاته ويرسم ثلثي ذاته من شكل ومضمون وباحتكاكه بالمحيط القريب جدا يجعله يترجم كل مخزونه الداخلي في أعماله الفنية وبذلك حقيقة يعكس ذاته ايجابيا والدليل على أنه يتفاعل مع محيطه.
ويرى أن ألوانها وسيلة مساعدة لإيصال الرسالة المطلوبة وكل فنان له ذائقة مثل أي متلقي فهي قد وجدت نفسها في هذه الألوان الحارة وخلقت منها سعادة جميلة تبحث عن الأمل.
التشكيلية نوال العجمي تستعيد الأزمنة برؤية خاصة
تأويل بصري للفكرة
منذ طفولتها وجدت توقاً ورغبة مُلحة وعميقة في رسم الأشياء من حولها، وفي التعبير بالرسم عن الكثير من أحلامها وأمنياتها.. كانت تأخذ روايات نجيب محفوظ المزينة بالرسومات التعبيرية من مكتبة والدتها وفي كل مرة تعيد رسم تلك التعبيرات وتلك الملامح التي تزين الرواية، ومع كل مرة تخبئ أعمالها لتتعايش مع فكرة الإبداع وخلق الكائنات بين يديها، لكنها تلحظ بعد زمن بعيد أن والدتها كانت تدرك كل ما تفعله وتقف خلفها بصمت ودهشة.. لتكبر الرسامة السعودية نوال العجمي وتتكرر الحكاية مع ابنتها الفنانة منيرة الخالدي، والتي وجدت في إبداع أمها عالماً من التأملات والمكنون الذي يختبئ في كل عمل، لتعثر على عالم مليء بالإنسان والغربة والحكايات ومشبع بالموروث التي تحاكيه في أعمالها وترسم له علاقة جديدة تتفتح برمزية اللون وما يتركه الأثر من بقايا بعثرات فنية هنا وهناك.
محمد خضر
سنجد في معرض نوال العجمي الأخير وهو بعنوان (نهارات) اختلافاً بصدد تفكيك الرموز وتجريد المفردات أكثر من تماسك الفكرة وبنيتها في معرضها الأول.. بل نعثر على انعتاق نوال العجمي من هاجس استخدام بعض الألوان الذي سيطر عليها لمدة زمنية كما تقول، فنجدها مرتسمة بين ألوان أكثر فرحاً وألفة، وهذا قد يتضح في تكوين العلاقات الجديدة بين الألوان وتكثيف المعنى ليصبح نافذة مفتوحة التأويل حيث جمالية ما نتلقاه مرهون بمدى مدركاتنا الحسية/ البصرية، وما يتسرب فينا منذ الوهلة الأولى كفيل ليعطي إحساساً مختلفاً ومضيئاً. سنعثر على نوال العجمي أكثر في لوحاتها التي تطلق لها العنان ليصبح التعبير مجازاً قادراً على اصطياد الشعور المحض والأولي بالأشياء، ولتصبح الحركة سبيلاً لتناغم العناصر وما تبثه من فتنة اللون وامتزاجه في حالة شعورية متوحدة وكأنها متلازمة ، حيث لا حيلة لتراكيب أخرى معه وحيث الخامات وحساسية اللون علامة تشير إلى خصوصية التجربة.
نوال العجمي التي تقيم الآن مرسماً خاصاً للتدريب تشاهد أثرها جلياً على مجموعة من الفنانات اللواتي يتيح لهن المرسم الكثير من الوقت في أجواء شاعرية ومزدانة باللوحات والأعمال الفنية ليدخلن فيما يشبه الورشة المستمرة بالحوار والتجريب والتأمل والتعلم، وفي حالة جميلة من المعايشة ومن ثم يقررن أن يكون لهن معرضهن الخاص المنبثق من مرسم التدريب، وتحت مسمى جماعة الملتقى التشكيلية يقمن معرضهن الأول كذلك تحت مسمى “لقاء” والذي شارك فيه أكثر من عشر فنانات مبدعات ويحلقن خارج سرب السائد.
سنعثر لدى العجمي أيضاً على اشتغالات أخرى يدوية ملفتة وعلى مجسمات من الخشب تقودها إلى ذلك فلسفتها في إحالة كل ما حولها إلى عمل فني من مصباح الإنارة إلى الأبواب المتحركة والمنحوتات الخشبية الصغيرة. ولعل تجربة نوال العجمي مع السفر وترحالها الدائم وغربتها أعطتها قدراً من صقل تجربتها واختبارها عن كثب مع تجارب أخرى مختلفة في الداخل أو الخارج. فقد شاركت في الكثير من الدورات المهمة في لبنان والكويت وسويسرا مثلاً، لتحكي عن تلك التجربة وتقول إنها شعرت بأثر ما من خلال احتكاكها بتجارب أكثر خبرة.
يرتسم التشكيل ـ كما تقول نوال العجمي ـ في حياتها مثل قدر جميل لم يعد بوسعها أن تتخيل الحياة دونه فمنه تنطلق إلى التعبير عن مكنونها وعن آمالها، وهي الآن تقدم التشكيل ليس كحالة شعورية فقط بل كمشروع تشكيلي ينطلق بها إلى أن تضع بصمتها واضحة وجلية في مشهد التشكيل وهي التي تعيش عزلتها الفنية بعيدة عن ضوضاء الوسط التشكيلي الذي ربما لا يكون نافعاً في أكثر حالاته، حيث الحالة الفردية هي من تصنع تلك الخصوصية وتسهم في الثراء الروحي لها وفي الإمعان أكثر والتوغل في تأملات أخرى يهربها له ذلك الواقع المعاش مع الناس ونبض الحياة، وهي المادة التي تستلهم منها نوال لوحاتها لتقارب بين الواقع والخامة وبين الإنسان وما يلمسه من حاسة اللون المتناغم في مزيج أليف وتراكيب منسابة لتحقق دهشة أخرى في تطويع اللون لمضمونها واتحادها مع عناصرها.. وتحقق مع قيمتها الجمالية أسئلة تظل عالقة في الذهن حول تلك الفضاءات المدهشة وما يعيشه الإنسان اليوم مع محيطاته وشعور الفنان الخاص ببيئته وطبيعتها وكيفية معالجتها..
ترسم نوال العجمي المرأة مثلاً مستعادة من أزمنة مرت وهي لا تقابل بذلك واقع المرأة المعاش الآن بل كأنها تطرح المزيد من تلك الأسئلة والمزيد من اللغة المختلفة.. لغة اللون الشاعرة التي تلاحظ عن كثب وتمعن النظر لتنتخب اللقطة الأخيرة التي ستظهر فيها تلك اللوحة فهناك المرأة العاملة وأخرى بنقابها وحولها الكثير من ألوان الفرح والتي تعكس حالة ازدواجية هي ذاتها ازدواجية بعض نواحي الحياة.. وهذا سيظهر أيضاً في أعمال أخرى ومفردات متباينة ومتجانسة لتشكل رؤية خاصة للحياة..