أيها الفيلسوف. لا بأس لو دخلوا عليك وأنت ساهٍ، وحمّموك وأنّقوك وأجلسوك تمثالاً لحضارة تبدأ الآن. الشمسُ في يمينك كأنها برتقالة قُطفت للتو، والقمرُ في يسارك والناس يظنونه لؤلؤة عملاقة هي غنيمةُ صيدكَ في البحور المظلمة. حسناً، سنتركهم أسرى في مشهد العبث، وسنرفع الستارة على منظر بداية جديدة، حيثُ على يمين خشبة المسرح ثلاثة فرسان هم: الدهرُ والسيف والقلم. وعلى يسار الخشبة، ثلاث نساءٍ جميلات هن: الحقيقة ُوالحرية والورقة التي لم تتلوث بعد.
في المشهد الثاني: ترتفعُ صافرات الجمهور في الخلف، ويعلو صراخ الجالسين في الصف الأول: أنقذنا أيها الفيلسوف! لا تترك السيف يفصل بين الورقة والقلم، لا تجامل الدهر لأنه حفرة النسيان. إنا انتظرناك عفواً يسودُ على أخطاء ماضينا، وانتظرناك لُطفاً يفككُ ما تكلّس في القلوب وجعل ألسنتنا خرساء في الغناء، وكلماتنا صمتاً على شكل جهر.
في المشهد الثالث سنراك مغيّباً بأقلام من صدّقوك في البداية ثم لم يكملوا معك رحلة الذهاب إلى البعيد. وهؤلاء هم الذين تربكهم فكرة أن يمتلك الحقيقة شخصان في الآن نفسه، قد يختلفان في الرؤية، لكنهما يتفاهمان ويتّحدان لبناء المستقبل. هكذا يحدثنا المنطقُ العاقل، لكن الجهلة لا يعرفون سوى الانتماء إلى الظلام، إلى تلك العتمة التي لا يرى فيها أحد، ولا يسمعُ، سوى صوت نفسه، فيظن الآخرين جميعهم أعداء وغرباء ولا يمكن التعايش معهم!
في المشهد الرابع يكتشف الجمهور أن كلمات الفيلسوف لا تموت ولا تُدفن معه، بل تصبحَ نشيداً يسري في الهواء ويغذي عقول الأطفال الباحثين عن الضوء والحقيقة والشمس. وحين يفتحُ طفلٌ كتاباً ويقرأ قصيدةً عن معنى الأمل، فإنه بذلك يعيدُ إحياء ما زرعه الفيلسوف في أرض الزمن، إذ تظل الكلمة تحتفظ بطاقتها النيّرة، حتى لو ردموا عليها تراب الزيف، وسرعان ما تبزغُ من جديد على شكل صرخةٍ حرّةٍ في زمنٍ حر. ومن يقلّب صفحات التاريخ يرى أن ما قاله الفيلسوف قبل ألف عام، يقالُ اليوم أيضاً.
في المشهد الأخير، تركضُ طفلةٌ في يدها اليمنى ريشٌ كثيرٌ من أجنحة طيور مسافرة، وفي يدها اليسرى باقة زهورٍ مقطوفة من حدائق العالم كله. تقف الطفلةُ في منتصف المسرح وتنثر ما بيديها على الجمهور. وساعتئذ، تدقّ ساعة الأمل، وتدخلُ البشرية في عهد حضارة جديدة تبدأ الآن.


