في واحة العين، تبدو الأفلاج، كأنها السلسال الذهبي، يمر عبر عنق، ونحر، تبدو الأفلاج، كأنها فرقة عزف على موسيقى سيمفونية النخيل السامقة، تردد النشيد عالياً، وتشهد على تاريخ وطن، وشعب، فهنا كانت الأغنيات، وكانت الأمنيات، وكانت الأشواق ترفل بثوب الشذا متحدراً من ضمير العشاق، من سحنة الذين أحبوا النخلة، فأعطتهم كفوف العناقيد المعبقة بعطر الرطب الجني، ومشاعر الماء المنسكب من ثنيات النبوع السخية.
فكم شعرت بالأسف وأنا أجول بين الأزقة الطينية، موسومة برائحة الأولين، وكم شعرت بتأنيب الضمير، لأني جئت متأخراً، وانعطفت على الحارات، والممرات، وكأني ألج بحار المعرفة للمرة الأولى، وكأني أتعرف على النخلة، لوهلة لم يسبقها لقاء، ولا نداء داخلي حرك في النفس مواجع، وأسهب في العويل، وكأنما الزيارة كانت لأجل استدعاء الأشواق الغائرة، وكأنها الجروح القديمة.
الله، كم هي الذاكرة صفحة من مخطوطة قديمة، لم يتجرأ المؤلف على طباعتها، في كتاب، كم هي الذاكرة أشبه بالحلم الطفولي عندما تستيقظ على وخزة إبرة تخرج من شريان، أو وريد.
في واحة العين، وأنت تقف بين السامقات، الباسقات، الشاهقات، مرهفات الجديلة، جزيلات العطر، على سطور الرمل، على خضاب السهل، والجبل، هناك تجد النخلة ترتب تفاصيل الزمن، وتشذب جديلة الحلم في أبجدية العناقيد الممتدة من قلب الإنسان، إلى حلم التراب، وهو الصوت المجلجل منذ زمن التمرة واللبن، زمن الأجساد العارية وأشجان الليل المضاء بالقمر، وأغنيات العشاق، والمدنفين بحب الخرير، المسكوك من عرق، وحدق، المسكوب في وجدان الحياة، كأنه شوق الحمام إلى عشه، كأنه صبوة الغيمة، وهي ترتل في وعي الناس، آيات البديع من قطرات، ونثات.
في واحة العين، ترادفت الصور، ومشاهد ربما توارت لزمن ما، ولكنها لم تزل في الذاكرة، كأنها البذرة في باطن الأرض، كأنها النجوم تغيب، لتطل على العالم من جهة القلب، من ناحية نياط مازالت تشي بأخبار عن لوعة، ودنف، وعن مضغة القلب التي مزقتها رياح، وجراح، حتى أصبح الزمن، ليس إلا لحظة تالفة، والعمر يطوي عباءته، في انتظار العربة كي تقل جسداً، ما عاد للأدواء من وسم، يقلق الروح.
في واحة العين، تستعيد الذاكرة دفتر الأيام، لتسجل من جديد يوميات الفرح، بين نخلة وفلج، وبين حاج ومعتمر، وبين فيض من أحلام، كسحابات شتائية، تغسل جفوناً وعيوناً، وتسرج خيول الهوى، وهي في الريعان، وذروة الإسكان.


