إنه قارئي الأول والوحيد الذي سيرافقني أينما حللت باسمه الذي يلاحق اسمي، سيبقى رفيقي بوقار، ليخبرني دوماً أنه يدعمني حتى لو لم ألتفت، فأنا متأكدة من أن «أبي» خلفي. هكذا عهدته دوماً، أدرك تماماً كيف يتحدث عني، وماذا يخبر كل من يقابلهم عما أفعله، أعلم أن أحداً لن يتحدث عني كما فعل، سأبقى متأكدة من أنني كلما تذكرت منجزاً لي سأشعر بغيابه وفقده، وكلما قرأت شيئاً سأتذكر أنه أول من ابتهج بتأتآتي، وكلما كتبت سأفتقد احتفاله بسطوري الأولى!
أحاول منذ شهر الهروب من الكتابة، كأني أتداوى بتجنبها، أنشغل بكل شيء يلهيني عن النظر إلى تلك المساحة البيضاء التي تجبرني على التفكير بما أشعر به، أتملص من وجعي.. أحاول تجاوزه.. بلا فائدة. لا أمانع في التعاطي مع أي شيء.. فقط مشاعري بأوجاعها لا أود الاقتراب منها، فكيف بكتابتها وعرضها؟! الآن أجد نفسي مجبرة على استيعاب هذه السرعة التي ذهبت بها الأمور، منذ دوي سيارة الإسعاف وحتى نحيب شقيقتي، وهي تخبرني برحيل والدي.. ومازلت غير مستوعبة حقيقة ذلك الغياب.
الغياب الثقيل.. الضيف الذي سيأتي لا محالة مهما تجاهلته وانشغلت عنه، سيأتي بثقل ظله جاثماً عليك، مجتراً كل الماضي بتفاصيله الدقيقة وكأنها حدثت للتو. إنه «الغياب» الذي يحضر بقسوة أمامنا على عتبات الحياة، فتجده يبتسم لك باستهزاء لأنك انشغلت بكل شيء تقريباً، وتعلقت كثيراً، فيما تجاهلته تماماً، ليخبرك الآن أنه حاضر، وليس أمامك إلا أن تجد طريقة تناسبك لتتعامل معه.
عندما يغادرون يحضر «الغياب»، بكل فراغه الجلف، ليسأل عن قدرتك على استيعابه، والتعامل معه كواقع لا مناص منه. فتلك المشاعر الجياشة التي تنتابنا وقت مغادرة من نحب لا علاقة لها بهم، ففي أصلها مشاعر خاصة، سببها متعلق بعدم قدرتنا على استيعاب ذلك الفراغ الجديد، عدم القدرة على احتمال الأصوات من دون رنين ضحكاته، واستيعاب الوجوه من دون ملامحه، واحتمال المكان من دون نسمات عبوره.. رحمك الله يا والدي.