حين كانت السرقة يدوية تقليدية كان سهلاً عليك التعرف على الوجه الأملس واليد الخفيفة والأصابع التي تلاعب البيضة والحجر، اليوم أصبحت السرقة إلكترونية، وعابرة للقارات، ولا تلامس، وعن بُعد، ولا تُعرف الوجوه، لأنها كلها صور لنساء فاتنات، ووجوه مستبشرات تتصدر مع الأسماء الوهمية، والطرق للسرقة الرقمية غدت غير متناهية الحدود، فالذي سرق قبل شهر، قد يسرقك من جديد بعد يومين بطريقة أكثر نعومة ومغرية، ولا يمكنك إلا أن تصدقها، ومن مكان آخر وعبر وسائل مختلفة، يعملون كعصابة يعرفون نقاط الضعف في النفس البشرية، وكيف ينفذون لها، وعادة ما يرسلون الجمال لسرقة المال.
ومن بين سرقات الجمال للمال، تلك الإعلانات التي تبث من خلال الشاشات والتصوير المتماوج والموسيقى العذبة الانسياب، ووجه نسائي قابل للعبور، فللإعلان عن أي مشروع عقاري تجد خلية النحل وفيها العاملات وملكة النحل، واستعراض تلك الحياة الهانئة الرخوة، سقفها السماء وأفقها الماء، والربح المضمون، وإن فشل المشروع أو تعثر ستغيب كل تلك الوجوه الناعمة، ولن تجد إلا وجه محاسب عجز عن الترقيع، ووجه مسؤول العمال الذي لم يألُ جهداً لإنجازه على أكمل وجه، والجمال الذي سرق مال المشترين، سيذهب هذه المرة ويسرقه من المطورين، هي دوامة تتبع الدورة الاقتصادية.
اليوم صار الاستهلال بالجمال في أي مشروع تقدمة للغش أو سرقة المال، ولو كان دواء عشبياً يداوي المصارين، لكنهم يبيعونه أكثر وأسرع إن ارتدى لباساً أنثوياً، وقدمه وجه جميل.
العمليات التجميلية أكثرها فاشلة في نظر الزبائن لأن النتائج حين يقارنونها بذاك الوجه الذي ظهر في الإعلان للعيادة أو المركز تكون النتيجة ليس في صالحهم، وصف الأسنان الشفاف المبهر لم تكن نتيجته كما ظهرت به تلك النجمة اللامعة، وهي تحض الزبائن على اغتنام الفرصة، والخصومات لكل متابعيها، وأن «العيادة بصراحة.. ولا غلطة» على حد قولها، وهي تغري الزبائن بالسرعة إنْ أرادوا، وبالهرولة إن استطاعوا.
وفي دراسات تخص الاجتماع ولغة السوق وعلم النفس، أن للمرأة تأثيراً كبيراً في التسويق لا يقدر عليه الرجل، وأن كلماتها تدخل القلب ولو كنت غير مشترٍ، ولا تنوي الشراء، لكنها تجذبك بطرقها في الحديث والتسويق وتلطيف الجو، وبكثير من الابتسامات الكاذبة، والإيماءات الوهمية، وتخدير الزبون، لذا استغلها المعلنون، واستغلوا ذلك الجمال الذي يسرق المال!


