هناك أشياء تشبه سحابة غيث ممطرة، يمكن أن نسميها الفرح كله، يتسرب إلى نفوسنا، ولا نخطئ، يمكن أن نقول عنها إنها خيوط من نور وسعادة تلوّن حياتنا، ولا نخطئ، يمكن أن تأتي بها ريح باردة أو فكرة سابحة أو ذاك الصدق مع النفس والآخرين، مثلما لخصها مرة بحديث بعيد عن التنظير والتأطير المثقف والفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر»، في مجرى حديثه عن المثقف الحقيقي، وما تصنع الثقافة الواعية في الحياة، يقول: لو أن كناساً أنهى عمله اليومي، وعاد راجعاً إلى بيته، حاملاً مشترواته لعائلته، وأثناء مروره بالنهج المؤدي لدرب بيته، وجد على الرصيف كومة زبالة، ومرميات، فأنزل مشترواته جانباً، وشمر عن ساعديه، وتناول عدة عمله من جديد، وأزال كل ما يعيق المارة، ويجعل الشارع نظيفاً، كان بإمكان هذا الكناس أن لا يلتفت لتلك الأوساخ، ويمشي إلى بيته مباشرة، ولن يسأله أحد أو يلومه إنسان، غير أنه تصرف بتلك الروح الساكنة في داخله، والمعتادة على العطاء والبذل، لحظتها تحول ذلك الكناس إلى مثقف يفيد بعمله المجتمع، ويرتقي بإنسانيته، وقيمها النبيلة، ذاك هو المثقف الحقيقي في رأي فيلسوف الوجودية «سارتر»، وفي الحضارة الإسلامية إماطة الأذى عن الطريق فيها صدقة، وعند الشعوب المتقدمة من يخدمون مجتمعاتهم بالفعل لا بالصوت هم المثقفون، أما غيرهم فهم المثرثرون، وزيرة الصحة في هولندا، تخدم مع عمال النظافة ساعتين في اليوم، وتشاركهم في أعمال التنظيف، ولا تترفع عليهم، ولا تستقبح عملهم، وفي اليابان أجور عمال النظافة هي من أكبر الأجور في سوق العمل، وكثير من مدن العالم المتحضرة تجد في ساحاتها العامة أو حدائقها تمثالاً لعامل النظافة أو رجل الإطفاء أو غيرهم من الأيدي العاملة والمكافحة، ولعل قصة حلاق الرسام العالمي «بيكاسو» فيها معنى آخر لفعل الثقافة، وما يصنع المثقف، عام 1944 في باريس حيث استقر الرسام الإسباني «بيكاسو» التقى في الحي بمواطنه «اوجينيو آرياس»، وكان لديه محل للحلاقة، أعجب «بيكاسو» بحركة يد ذلك الحلاق، ورقصة المقص، وكأنه فنان مثله يداعب اللون والريشة، فاستسلم له، وترك له رأسه بحرية، مستمتعاً بثرثرته المتسارعة بالإسبانية، وحين انتهى من قص شعره، رفض أن يأخذ منه «فرنك»، فخجل «بيكاسو»، فأخرج من مزودة الرسم لوحة وأعطاها إياه، أخذها الحلاق، ويومها لم يكن «بيكاسو» مشهوراً، ظلت تلك الصداقة تكبر بينهما، وكلما انتهى الحلاق من قص شعر «بيكاسو»، وحاول أن يدخل يده في جيبه، يمنعه الحلاق بتعفف، ويقول له: أنت الآن صديقي، فيقوم «بيكاسو» بإهدائه لوحة جديدة حتى كوّن ثروة حقيقية من أعمال ذلك الرسام الذي لن يتكرر، بلغت 60 لوحة.
وحين توفي «بيكاسو» تسارع إلى صديقه الحلاق المقتنون، وإدارات المتاحف، عارضين عليه مئات الملايين لشراء تلك الثروة الفنية التي لم يدفع ثمنها غير ضربات مقص، وثرثرات، وكثير من الحب والود، غير أن الحلاق رفض كل تلك الإغراءات والأموال، وفي ليلة قمرها مشع، حزم حقائبه وتلك اللوحات الفنية متوجهاً إلى قريته الوادعة شمال مدريد «بويتراكو ديل لوزويا» في صمت وبفخر.
اليوم.. هذه القرية يؤمها مئات الآلاف من السياح سنوياً، وصمم لها متحفاً أسماه متحف حلاق بيكاسو عام 1985، اليوم يعد قبلة للزوار وعشاق الفن، والبحث عن المدهش، وحين توفي ذلك الحلاق عام 2008 ودعته قريته وإسبانيا كلها وداع المواطنين المخلصين، والأبطال الوطنيين، ذلك لأنه في لحظة تخلى عن الذي هو للخاص من أجل العام، ذلك الشيء الذي يشبه سحابة ممطرة يمكن أن ننعتها بالخير والفرح والسعادة.


