الذاهبون إلى اكتشاف جدوى الحياة، عادوا عمياناً وعلى وجوههم بقعٌ حمراء. كأنهم صُفعوا بيد الريح كي ينتبهوا قبل السقوط في الهاوية السحيقة لأسئلة الوجود. وكان الخطأ أنهم وقفوا يحدّقون في الشمس طيلة النهار حتى ابيضّت عيونهم، ولم يفطنوا إلى أن الحقيقة الساطعة قد تجعل الناظرين لها لا يرون شيئاً سواها. لم يحدث أن سقط رجلٌ في فخّ أسئلة الوجود وعاد سليماً معافًى في عقله ورؤاه. أعرف فيلسوفاً كان يردد: من أنا، وما هي ذاتي؟ وانتهى به الحال شريداً وجليساً على عتبات الصوامع ومأكولٌ زمانه، وهو هنا وليس هنا ونصفهُ في المكان ونصفه في الهيام. وأعرف امرأة كلما تسلقت جبلاً كي تصطاد الغيم وتضعه في سلالها، انزلقت أقدامها على منحدر الحذر، وتلاشى السحاب مبتعداً ومتلاشياً عنها كما تتباعد الأفكار ويتلاشى أثرها.
كل الحروب تنتهي لا محالة وتصدأ مدافعها، إلا حرب الكلام والأفكار، تظل حبيسة في العقول التي تضجُّ بجهلها، وتظلُّ تتأجج في الكتب الذي زوّرها الزائفون وأعلنوها حقيقةً مطلقة ينبغي أن تُطاع أبد الدهر. وما بين اليقظة والجهل، تدور معارك طاحنة منذ بدء الخليقة ولم تتوقف يوماً. هذه الحربُ هي التي تظل مستعرة تحت الرماد ومنها تولدُ الكراهية وتصيرُ عرفاً في نفوس المتزمتين. وهي نفسها مواعظ الحرب التي تلقّنُ فن الإقصاء كي لا يتقارب الإنسان مع الإنسان إن اختلفا في الفكرة، وإلا من كان يقود الجيوش الجرارة في التاريخ كي تعبر نصف الأرض مشياً كي تغزو وتُبيد، غير الفكرة المجنونة التي تتولدُ في العقول الضيقة وتدفع أصحابها إلى التهور والانزلاق في مغامرات الموت.
يأتي العقلاء إلى الورقة كي يكتبوا حكمة الدهر ويرفعوها شعاراً لأطفال الأمل، لكن القلوب التي لا تحب القراءة ولا تُجيدها، لا تملك إلا أن تُكسّر الأقلام ظناً أنها سهامٌ قاتلة. حدث هذا حين كتب الشاعر قصيدة عنوانها: أنا ضدّك أيها الظلام، لكن المؤيدين لفكرة التفوّق على الآخر بالسيف، حملوه وزجّوه في حظيرة السأم، واستبدلوه بالطبّال. وحدث هذا عندما نزل الفيلسوف من أعلى الجبل وضرب بعصاه على رؤوس الغافلين صارخاً: انتهبوا. لكنهم كانوا كالتماثيل، وأصبح لا يفيدُ مع المتحجرين حتى أن تهزّهم.
حرب أخيرة تدور رحاها داخلك، هناك في العقل صوتك اليقظ وصوتك الغافل، وكلاهما يتصارعان على اقتيادك. فانظر إلى حبلك الآن، هو في يد من؟