كان رجلاً هادئاً، وكان هادئاً كل ما يحيط به، إذا ما مشى لا تسمع لخطواته أي حس على الرمل، بعكس خفوف الرجال الخشنة، كان هسيس ثوبه هو ما يقطع ذلك الصمت المتوحد به، ما رأيته يوماً إلا صامتاً، أو مقتصراً على الأجوبة المقتضبة دون الأسئلة، لا يحب أن يخوض فيما يخوضه الرجال من غيّ، وغيبة أو تعليقاً مضحكاً أو التملح بقصص نسائية أغلبها وهمية تسكن في رؤوسهم فقط، كنت لا أراه إلا ذاهباً إلى المسجد أو عائداً منه، شبه منقطع في منزله الذي لم تكن أبوابه مفتوحة منذ الفجر إلى حَزّة العشاء مثل بيوت أهل العين، قليلاً من دخله، ومن دخله لا يستطيع أن يتذكر أركانه، كل الناس تعرف لون وشقوق بابه المغلق على الدوام.
كان طويلاً، لكن ظهره اعتكف مبكراً، وكأنه حين وصل أم السبع بلادين، كان حاملاً ثقلاً، وجرحاً ومقداراً من الضيم يلاقي بضلوع الصدر، كان يميل لنحف المتصوفة، به وسامة ونظافة وأشياء من عطر لم يستغلها كثيراً، واللحية المخنيرة التي تشبه خط الحناء، تضفي عليه شيئاً من إطلالة فارس عربي.
حتى في منزله شبه المغلق، ما كنت أعتقد أنه يمكن أن يمزح أو يضحك أو يتشاجر مع زوجته التي احترمت صمته، وتعرف جرحه الغائر في الصدر، وتعطيه تلك المساحة التي يحبها من الهدوء والتوحد بالذات، وتعينها هي على العبادة الدائمة، وما يمكن أن ينفع أولادها ويفرحهم بلقمة طيبة بعد عودتهم، بالتأكيد رجل مثله كانت متطلباته قليلة، وتعففه يرقى به عن صغائر الأشياء.
كان مسالماً حد الاستغفار بعد كل عمل، ولو كان ذاك العمل صغيراً، لم أره في عرس أو ختان أو داخلاً الميدان ممتشقاً سيفاً أو متأبطاً بندقية، أو ممسكاً بعصا، وهو «اييول» في ساحات الرجال.
لم التقه حتى في الأسواق، خاصة سوق يوم الجمعة أو في أسواق العين الموسمية قبل الأعياد، لا يغادر منزله إلا إلى المسجد أو مزرعته، أو زيارة جاره الذي كان صديقه، عدا ذاك لا يمكن أن تصادفه في الطرقات أو دروب النخل الطينية الضيقة، أو بارزاً في مجلس من مجالس الأعيان، وكأنه كان يريد أن يخفي تلك الهيبة القديمة التي ألبسها عليه جدود من تاريخ الصحراء، والتي جُرحت مرة بلا هوادة، وأخرست كلماته، ودفنها في صدر رجل ودعه لحظتها، ولم يلتفت، ولم يعد موجوداً إلا ظله المتنقل معه، كان رجال أم السبع بلادين يعرفون بقية القصة وبدايتها، لكنهم يقدرون معاني ذاك الرجل، ويحترمون ما قرر حين حفظ الدم من أن يراق، وفضل الغياب بأولاده في مكان كان يحبه منذ صغره حين كان يحضر صيفه، ويتلذذ برطبه ومائه، وطيب أناسه، وجاءه هذه المرة ملتمساً ذاك الصدق من رجل يحب الرجال، ويكرم الرجال الصادقين أكثر.
ظل طاوياً ذاك الحزن وجرحه، ومقدراً كرم هذه المدينة التي فتحت له جناحيها، لكنه فضّل أن يعانقها إلى الأبد، ولا يطير بأحلامه القديمة بعيداً عنها، بأجنحته المشاغبة!