بِطبعي مُبادِرة، وهو أمر كلفني كثيراً، بل وعرضني لخذلانٍ ما زلت أذكر طعم مرارته كلما استرجعته. ورغم ذلك، وفي كل مرة يلوح موقف يستدعي التدخل، يصفعني صوت لا يشبهني، يقول: «اتركي لغيرك فرصة ليفعل ما يجب فعله»! ثم لا يلبث صوتي الذي أعرفه جيداً أن، يدفعني بلا تردد لفعل ما أراه صواباً قبل فوات الأوان، ويهمس: «تحركي، الحياة لا تمنحنا ترف اختبار الانتظار».
كل مرة كانت تتكرر فيها تلك التجربة وينتصر فيها صوتي الجريء الذي خبر تبعات التردد والانتظار، كان يزداد وعيي وفهمي لنفسي ولواقعي ومحيطه. فالمبادرة فعل وجودي، إنها قرار بالخروج من حيادية الفرجة إلى قلب المعنى - مهما كانت الكلفة - قرار أن تكون موجوداً وفاعلاً في وجودك ومصيرك، لا مفعولاً به يشكل مصيره بمعزل عنه.
تعلمت المبادرة من لحظات الانتظار التي طالت بلا طائل، ومن تلك الوجوه الباردة التي تلتفت باحثة عمن يبادر أولاً، بعد أن تخلت عن مسؤولياتها. ومن ألم المرات التي فوتها ولم أبادر فيها. المبادرة بالنسبة لي رفض صريح بأن أكون مفعولاً به في سردية الحياة. كل مرة أتردد فيها بين تلك الأصوات أفكر: هل أنا فاعلة أم مجرد شاهدة؟ وفي كل مرة أختار الفعل، أدرك أنني أمارس حقي في أن أكون. ولهذا، وحتى لو كلفني الأمر وحدتي أحياناً، أو شعوري بالخذلان، سأظل أختار الفعل ولن أنتظر.