كنت أظن أن الكتابة لا تليق إلا بالقضايا الصاخبة، حتى اكتشفت أن الهمس الداخلي أقدر على تحريك العقول. ولهذا لم أنزعج ممن كان يخبرني أن قلمي سيكون أفضل لو أشغلته بالقضايا الفكرية الكبرى! والحقيقة أنني كنت محاطة بمن يرون بأن التفكير بالذات الإنسانية ومراقبة خلجات النفس وتحولاتها هو أمر غير ذي جدوى، بل ومدعاة للاستنكار والاستخفاف واعتبار ذلك من الترف الفكري! بداية انشغالي بالكتابة، كنت مسيرة تماماً على ذاك النهج، فجاءت كتاباتي الأولى «المنشورة» ذات عناوين مجلجلة وكأنها تصرخ لتثبت جدارتها بالظهور! أنظر الآن إلى تلك الأيام بابتسامة هادئة بلا أسف. صحيح أنني استغرقت وقتاً طويلاً حتى بلغت هذا التحول، إلا أنه في طريقي ذاك تعرضت لتجارب نوعية صقلت من قدرتي في التعبير عن ذاتي بصدق، وبمزيد من الوعي والموضوعية.
بعضهم يعتقد أن الكاتب عليه أن يتحدث عن كل الأشياء الكبيرة في الحياة، وأن أشياءه الخاصة هي صغيرة ولا تستحق أن يكتب عنها! وهنا تساءلت، كيف لنا أن نتحدث عن القضايا الكبرى من دون العبور إلى الذات؟ كيف لي أن أتحدث عن قضية الانتماء من دون وصف وتحليل علاقتي بنفسي وببيتي ومكان عملي؟ كيف لنا أن نتحدث عن هويتنا من دون العبور إلى أحاسيسنا كأفراد، كيف نحب ونخاف، كيف نفرح؟ كيف نطالب بالإنسانية ونحن لم نختبرها في دوائرنا الصغيرة: مع عائلتنا، أصدقائنا، من نحبهم.. ومن خذلونا؟ إنها كتل المشاعر التي تسكننا وتتحرك في داخلنا بصمت. إنها تلك التفاصيل التي لا تُرى، لكنها تصنع وعينا وسلوكنا وطريقتنا في فهم العالم.
تلك العوالم الخاصة المدهشة المتعلقة بالمشاعر التي يعتبرها بعضهم صغيرة هي مفاتيح الكون. لن نتمكن من فهم وتغيير الأشياء الكبيرة إذا عشنا متجاوزين الكتل الإنسانية التي نعيشها ومتجاهلين ما يسكننا، سنفهم ما حولنا جيداً إذا انشغلنا بتنقيب مشاعرنا الخاصة ومعرفة ما نريده فعلاً، وما يكفينا ويجعلنا هانئين في هذه الأرض. إنها دعوة لنبدأ رحلة معرفة ذواتنا، وما يليق أن نبدأ به. فمن يدري؟ قد نكتشف أن أكبر القضايا ليست سوى انعكاس لما في داخلنا.