دقائق الشتاء تأتي بنشوة مرصّعة بالقرب، لا تفلت من سماتها، خيوط شمسها خاطفة، يقترب عصرها من غروبها، تباين جميل بينها وبين نسمات البحر الباردة، وهي تلبس أساورها وحليّها، هكذا تخيلتها يوماً ما وهي تطفئ شموع غروبها في حُلة الطيف البعيد، ترى الشتاء منتقياً بيوت الساحل ودروبها، وترى سيوف الأمواج ذهبية لامعة، وبعدما فاضت بهدوء أخذت تنحت بملوحة التربة نحتاً متعرجاً، شيئاً من أثر خطوات تسير، تركل أدوات بحرية وبقايا من محارات نضحت من أعماق البحر لتكتنف ملامح الحياة وتكتفي بلوحة لها.
أمام لوحة الشتاء يظهر الناس بالهندام الجميل الأنيق، وأمام الملأ تتمازج الغيوم بسحر الغروب، كأن رساماً خفياً يرسم الحياة بمواعيدها لتحلق بأجنحتها في الفضاء، وصور مدهشة تفضي بوصل السماء، كالحرير الأحمر يغلف الوجود بوجوم وسكينة، بثبات تكمن الصور في الخيال، مشاهد من رحيل الشمس، ما يثير الهدوء والسكينة المرضية، همسات تعلو من ضجيج الطيور، وهي تفر في طور الرحيل تتقدمها مناقيرها، تهبها سبق الرياح، تركت فتاتها وما رصدت من شهية، ومضت وحدها تعانق الدفء أينما تجده، وأسدلت الستار بريشها الأبيض الجميل.
حان للبحر أن يفرز رغوة من الزبد، تمضي بقوارب الصيادين محملة بشباك الصيد، ملاذها وبداياتها ونهاياتها فرضة البطين، ومرساه الحديث تحول لأيقونة شتوية بمشاهد السفن والقوارب الطافية على مرأى من مقاهٍ تنتظر روادها. قوارب الصيد تطفو محملة بصيد وفير، تنشد فجرها وتنثر صيدها من الأسماك، وتريح شباكها مزهوة بإطلالتها على تفاصيل يومية، بقرب البيوت تظهر الصباحات مدهشة، كأنها شاهدة على ذاكرة البحر والشقاء، ووداع من رحلوا من أهل البحر، كأن البحر أمل الماضي والحاضر، يتقاسم معهم الود الحنين والألفة ويمدهم بالصبر.
حان للقمر أن يجيء، ليلة شتوية قمرية حانية بقطوف الأفكار، يجالس الناس بحدائق ساهرة إلى منتصف الليل، يظهر الشوق في عبق الحديث، لولا دفء القمر وبهاء الشتاء لما تعانق الشعر وقوافيه بعشق طاهر ومرويات محببة تتنزل رهن الأحلام الشاسعة.
استمتاع بحفاوة المساءات لا تخلو من الجلسات النقية على عتبات الأبواب، وفي بهو الخيم الخارج من البيوت ليكمن الرضا الباهر، وفي نفوسهم تشدهم رائحة القهوة العربية ونكهة الهيل، بسخونتها ترتشف في حينها وبشغف يتمازج الحديث، يختزل الشتاء في قاموسه الجليل والجميل والزهو والعبير، ترى الورود تملأ أنفاس الشوارع، وإذا ما تساقطت حبات المطر ترسم بهاء الصفاء على الكون لتخطف الحياة اخضرارها الجميل بما يعانق السماء زهواً، إنها لوحة الشتاء ترسم الحياة بمنظور جميل.


