نفضتْ ذاكرتي غبار النسيان وتدفَّقت صور مشهدي حين كنت في الطريق متجهة إلى قرية عامودا في سوريا عام 2010.
كانت الساعة الثالثة بعد الظهر. وكانت الصحراء تمتد بين تَدْمُر والحسكة التي تمر من دمشق إلى غيرها من الأماكن.
تذكرتُ حالتي في ذلك الوقت، حيث بدت لي الصحراء كأنها تسوِّرني وتحيط بي وتنسل بقحلها إلى الروح والقلب. القلب أيضاً كان صحراء لا تحدّه بهجة ولا يتراءى لي خلف امتدادها نبع ولا شجر. لماذا يصير الإنسان في حالة ما، وفي زمن ما صحراء صحراء، لا بهجة ترفّ في عمقه ولا أسى، لا طمأنينة ولا قلق، لا فرح ولا حزن. صحراء صحراء تمتد داخل الجسد والروح وخارجهما. الروح التي كانت شعلة لا تنطفئ وكانت نبعاً لا ينضب وكانت مفتاح المغلق ونافذة الكشف؟
لماذا صارت الكآبة مسكني في ذلك اليوم، وكانت زائراً غريباً عابراً؟ هل تفعل الخيبات التي مررت بها فعلها في العمق البعيد للروح والجسد؟ وحين سألت نفسي ماذا تريد؟ قهقهت وقالت: أهذا سؤال يُطرح على الذات بعد سنين العمر كلها وبعد عبور الوعر والعثرات؟ فلماذا ينهض هذا السؤال الآن وكأنه يستبطن الأحلام والأماني والطموح؟! ربما لأن شيئاً من هذا كله لم يتحقق، مُخلِّفاً الفراغ الذي يحيط بي ويلفُّني ويكسرني. إذن، إلى أين كانت ستمضي خطاي بعد، وأي مُبتغى كنت أتوق الوصول إليه؟
هل كنت أنا التي أقود ذاتي في هذه اللحظة أم أنني مُقادة؟ هل كنت أنا وحدي أم أنني كنت غيري؟ هل انتقيت ذاتي أنا في ذلك الزمن، أم أنني قبلت أن أكون ما شاءوا لي أن أكون؟ ومن هم الذين شاءوا لي أن أكون ما شاءوا؟ خليط غامض متمازج مشتبك قديمه بجديده، حتى ظننت وأظن أنه أنا. هكذا تصاغ شخوصنا من مبتدأ إلى منتهى. وفيما نعبر قانعين أو مقتنعين على مضض أو متمردين على وهم، نظل خبز الآخرين وعجينهم، ونظل أيضاً نستوي على لهب نارهم حتى الاحتراق الأخير!
السيارة كانت تسير على طريق مُعبَّدة ليجتنب السائرون عليها العثرات. كانت طريقاً سالكة تنتثر على حوافها الإشارات للدلالة. فمن سيُعبِّد لنا طرقات الحياة، ومن يرسمها، ومن يضع الإشارات كي لا نضيع؟ لا أحد، لا أحد.
وحدنا نشقّ الطرقات الصعبة ونضع إشارات غامضة نتوهم أنها تدلنا، ثم ندرك بعدها أننا ضللنا الطريق إلينا، إلى عمقنا، إلى ما نشتهي ونتوق!


