في ليلة باردة وتحت ظلال الشعر، بدت العين مثل طائر عملاق يخفق بأجنحة الترانيم الشجية، وكان الشعر يطل من نافذة التاريخ، مثل نجمة تراءت خلف الغيمة، تسطر في السماوات العلا شكل الفرح، وتلون الوجود ببساط فضي.
في ليلة الليلة، ليلة مركز أبوظبي للغة العربية بامتياز، حيث تألق البوح الجميل، متناغماً مع الصرح النبيل، «قصر المويجعي» بملامحه الشجية، ومآثره الرخية، إنه في تلك الليلة، كحلم مرّ على طرف خفي، فأيقظ في الروح عصافير الشجو، وأسهب في الغناء، مستلهماً من روح الباني المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، روحانية القصيدة، ومفرداتها النديّة، وسردها الأخلاقي عالي الجودة، قيمها الإنسانية الفريدة.
في تلك الليلة حضر الشعر، محرضاً فينا العلاقة الوطيدة بين الإنسان وحكمة الكلمة، مستدعياً، صورة زايد، وهو يرسم على الرمل، صورة وطن، خلاب في نهوضه، وتألقه، ويكتب قصيدته العصماء، بعنوان «كنز الجيل» وهذا هو جيل اليوم، يتغنى باسم شاعر اشتغل السياسة كقائد، ولم تشغله عن الشعر، لأن في الشعر جسرَ وصول، ولأن في الشعر وزناً، له في السبك، محسناته، ودلالاته، علامة تفوقه في الحياة على كل المغريات، وكل المدهشات.
لقد أحرز، مركز اللغة العربية في دائرة الثقافة، والسياحة، مركزاً متقدماً، وبدرجة امتياز، عندما لامس شغاف الجيل، بكنوز شاعر سحرته الكلمة، فأعطاها لب السؤال الوجودي، وهو كيف نجعل من حب الإنسان للحياة، قصيدة، أبياتها أهداب تظلل مقلة دعجاء، والقافية، فصوص قلادة زيّنت نحراً، والوزن عطر تسرّب بين خمائل التضاريس المنعمة بجيد، وجود عود أهيف.
في ليلة اجتمعت فيها نجوم الشعر، تحت راية، ذاكرة، مجللة بصور، ومآثر، وتاريخ مخضّب بحناء الجمال الطبيعي لمدينة، تهيئ نفسها لملاقاة القمر، وتحتفي صدح بالشعر، تحتفي بالحب وما جادت به قرينة العشاق، من نعت، ووصف، وفي التفاصيل، تنتعش صورة العين، وتنتشي النخلة، حارسة للأمل، مدمنة على جذب الذاكرة، إلى تلك البئر التاريخية، والتي كانت مصدر إروائها، ومنبع قصيدتها الطويلة، على مر الأزمان.
كنز الجيل، مدّخر، من ذهب الكلمة، وسبك القوافي، وما رصعته القرائح، كان مذهلاً، لمن تأمل في التفاصيل، وغاص في اللجة، يبحث عن ذاته، في التضاريس المشبعة بالعشب القشيب، وشجن الطير المؤدلج بأحلام العفوية، المكلل بفطرة التحليق، في فضاءات خاوية، إلى من الحب، هو هذا الذي تحدثت عنه، قصيدة الشيخ زايد طيّب الله ثراه، وهذا هو ترياق الكلمة، ذات الحلم، بأجنحة الفرح.
في تلك الليلة، صدح الدكتور علي بن تميم، بصوته الدافئ الرخيم، وأطلق العنان، لجياد اللغة التي يعشقها، وأسهب في رفع النشيد عالياً، وكانت المشاعر تتبع خطى لحنه، وفنه، في تداول لغة الضاد، محترفاً الإلقاء بجزالة، وثراء اللغة، وغنى العبارة، مما جعل ليلة تكريم العشاق، ليلة كألف ليلة.
في الليلة الباردة، سخنت العين شاي سهرتها على لظى الشعر، وما ساور العشاق من صور، بلغت حد الرونق النبيل في ضمير الشعراء، وأزهرت الخدود بحمرة الأثر النبيل لمشاعر، أيقظ الشعر وهجها، والإلهام سماوي المعطى، تسرب في القصيدة، مثل جدول تدفق من بئر في المويجعي، ماراً في عروق النخلة النجيبة، متكئاً، على حلم الأبدية.


