كان الناس يعرفونه بأمه، وتاره ينادونه باسم أبيه، كل رجال تلك الواحة كانت لديهم حاجة عند ذلك الرجل، ينصونه في الكبيرة والصغيرة، لأنه المؤتمن على تلبية حاجاتهم، والأمين عند الحاكم في نقل شكاواهم، كان يبدأ يومه بعد صلاة الفجر، ولا يهدأ إلا بعد صلاة العشاء، كانت لديه قناعة أنه مسؤول عن كل كبيرة وصغيرة في الواحة، وعليه يكون جوابه حاضراً عن كل شيء متى ما سُئل أو طلب منه، حتى مرات يُسأل عن شجرة هرمة تم الأمر أن يجنبونها مرور الشارع عليها، كان لا يغفل عن شيء، وكان شعلة نشاط، وكان يحب الخير، ولا يقدم إلا الكلمة الطيبة، ويؤمن أن الإنسان المؤتمن له أذنان، وفم واحد، فأحبه الجميع، حتى لا أذكر أنه تشاجر أو تلاسن أو تنازع مع أحد شأن كل رجال أم سبع البلادين الذين كانوا حتى في الأعراس يختلفون، وفي وقت السقاية يتنازعون، وعند خروج الوخايف من تنور عيد العود يتلاسنون، وفي ساعة «يداد» النخل يتخاصمون.
كان خفيف البدن خفيف النفس، ويتعلم كل جديد وارد، كان من أوائل السواقين، وأول من عرف كيف يشغل أول آلة عرض سينمائي في تلك الواحة، أدار النخيل ووزع الهبات والمنازل، وساق المير لبيوت الناس وقت الجراد والجفاف والأوبئة، زرع الشوارع والقصور، وكان بيته وعلامته التي يرفعها للناس، ليستدلون بها، وأطلقوا عليها: «صليب غريب»، والتي كان يؤرخ بها أعمار المواليد الجدد الذين يولدون في تلك الواحة الخالية من أي مستشفى في أي مكان متذرٍ ساعة الطلق.
ومثلما كان بيته علامة، كانت سيارته الأميركية الطويلة الرصاصية علامة تدل على حضوره، والتي كانت تُرى من بعيد في ذاك الفضاء الرحب الذي لا يحدّه النظر، عاش حياته لمدينته ولناسها، مؤدياً فرائض ربه حتى ولو على حجر أو كثيب رمل، كاتماً الكثير من أسرارها.
وفي سنة استأذن من الحاكم ومن مسؤولياته، وطلب أن يرى بيت الله حاجاً، غاب قرابة شهر، وشعرت الواحة بحالة من اليتم أو رائحة الفَقد، كانت الناس تدعو له، ولا أشك في قلبه الطيب أن من كان يطرأ على باله في ذلك المكان المقدس والحين يطلب له الرحمة والمغفرة والستر، ولو لم يعلق في رقبته وصيته، مثلما يفعلون مع الحاج والمعتمر والزائر للبقعة المقدسة، وحين عاد استقبلته الناس بترحاب، ورفع كل واحد منهم «بنديرة» على بيته أو فوق سيارته، فرحة بعودة الحجيج، ورغبة في «شفايا» الحج، عاد من الحج متعباً ويكح ويعاني من معدته، لكنه أمر يعرفه الناس بعد العودة من تلك الديار، حيث لا بد للحاج أن يحتَلّ بتناول الحلول أو يقصد «عقيدة» ليتوسم أو «المحيم جمعة» ليتحجم، ظل يتعافى وعاد إلى عمله اليومي، ونشاطه الذي يعرفه الناس، حتى ذات ظهيرة جاءهم نبأ نعيه وأخيه الذي كان يرافقه في السيارة في شمال البلاد، وهما يتفقدان عملاً يبتنى، فقد فيها سائق النسّاف السيطرة على شاحنته فرجعت على سيارتهما التي كانت خلفها فعصدتها، ولم ينجوا منها، يومها بكته أم سبع البلادين كما لم تبك أحد غير واليها «إبراهيم بن عثمان» في منتصف الأربعينيات.


