متحف زايد الوطني يرسم على الأرض، فتبرز الصورة صريحة على الواقع، ويكتسب من التراب دفتراً يضم فيه ما تلقيه عليه القريحة الفذة، من صور للمستقبل، وأمنيات، تتحرك مثل موجات البحر، مثل تيارات هوائية تدحرج أفكارها، وتنقل حبات التراب، من مكان إلى آخر، كصورة واقعية لحركة التاريخ، وديمومة الإنسان. في هذه اللوحة الفنية يبدو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، منهمكاً، في رسم مخطط لبناء جديد، أو ربما لتشييد معالم قصيدة جديدة من قصائده الملحمية، وحين تأملت المشهد، حين نظرت إلى العصا وهي تمشي في خطوط متوازية مع عيني زايد الخير، شعرت بأنني أتابع درساً في صناعة المجد، بدءاً من الرسم على حبيبات الرمل، ووصولاً إلى استتباب الفكرة في عقل الرسام، وانتهاء بتنفيذ الفكرة، وترسيخها على الواقع، منجزاً تاريخياً، يعتز به الوطن.
هذه هي سمة زايد الخير، وهذه جبلّته، فقد صنع من العصا قلماً ومن التراب دفتراً، ومن كليهما محفظة الذاكرة، التي نراها اليوم في هذا المتحف العملاق، هذه الإيقونة التاريخية، التي تحفظ كل مآثر زايد، لتفتح الأجيال أعينها على مآثر، تقتدي بها، ومرايا تنظر من خلالها إلى نفسها، وتحاكي الواقع، بثروة غزيرة، تركها زايد الخير لكي تصبح، النهر الذي تغوص في أعماقه طيور الحياة، المحبة للجمال، العاشقة لكل ما يمت بصلة للرجل الفذّ، الهمام.
في هذه اللوحة، يبدو التأمل يبدأ من التراب، وهي حكمة لم يفهمها سوى الشيخ زايد، رحمه الله، فنحن الذين جئنا من التراب، وإليه نعود، نحن الذين نبتنا من التراب ومنه تنبت أشجار نهضتنا، وترتقي أعشاب تطورنا، نحن الذين نبني على التراب، ونرسم صورته جلية بالعصا، التي هي القلم، وهي النغم موصول بأغنيات البدوي وهو يلج الصحراء بأمنيات تتسع المدى، وأحلام تداعب الشفق، ورغبة عارمة، في الوصول إلى غصن ترامى في البعيد يقول، هذا أنا، وأقطف ثمراتك.
تسمّرت كثيراً أمام هذه اللوحة، وأمعنت النظر إلى صورة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، قرأت ملامحه المضاءة بأحلام عين ينوي السفر إلى مدارات الرقي بكل ثقة، وثبات، وشعرت بأنني أمام درس في رفع الهمم، ويتوجب عليّ أن أقرأ جيداً وأفصل في تفاصيل الصورة، وأرسم صورة أخرى بالكلمات، لعلي أستطيع أن أقترب من الصورة، لعلي، أفسر أحلام العصا، وكيف تمر عبر حبيبات الرمل، لتنعش خلاياها، بقوة التأثير النفسي الذي يلقيه المغفور له الشيخ زايد على مخلوقات الله.
تابعت القراءة، استمرت الصورة تلقنني درس التركيز على الجملة الفنية في علاقة العصا بالرمل، وعلاقة الاثنين بالشاعر، والمفكر، والمؤسس. ممارسة الحلم، شيء من العيش مع الواقع من دون رتوش وهي الوسيلة العظمى في بناء علاقة وطيدة مع الرسم على الرمل، من أجل ترسيخ الأحلام، وسقيها بماء وملح. بعد أكثر من نصف ساعة، وجدت نفسي مزدحماً بالصور، وصار الخيال بيت الصورة. جميل جداً هذا المنجز، والأجمل هو الاهتمام بمآثر شخصية تمثل تاريخ الإمارات، بما يمتلكه من كاريزما مدهشة في عطائه، وأريحيته، وشفافية البث الشعري، ومدى القصيدة، التي شكلت بعداً آخر ومهماً في حياة الشيخ زايد طيّب الله ثراه.


