منذ آلاف السنين والخليج العربي يلهج بحبٍّ لرائحة الحرية، وهي تزهر في عيون بحّارة عشقوا ملح الخليج، وتصالحوا مع الموجة ولم تعرقلهم حماقة موجة، ولم تعيقهم خرافة شطآن سطت على الحقيقة بوضع اليد، وكأن العالم يعيش بدائيته الأولى، وكأن الخليج بوح جاءت به فضاءات غير الفضاءات الجغرافية التي سنّتها الطبيعة قبل أن تخلق تلك الأفكار ذات الأحلام التي تشبه طيور الظلام، تشبه سلة مهملات اختبأ فيها من يبحث عن عظمة فيها نخاع البقايا، والنوايا السيئة.
مرور عبر الحقيقة غامض وحامض، ورابض تحت سجادة صوفية تدوسها الأقدام، لتبلي فيها بلاء سيئاً.
المرور عبر الحقيقة يحتاج إلى وعي ببطلان الحرس، وحراس الوهم، يحتاج إلى وعي بأهمية أن يكون العالم مكاناً مفتوحاً للمدى، مشرعاً أجنحة الحب باتجاه الأحلام الزاهية، واليوم والعالم أمام الامتحان الصعب، هل تنتصر الغايات السليمة، وتنهزم الروايات ذات النصوص الرديئة، ويبقى الحال على ما ورد في ضمير المتلاعبين بالحقائق، حتى أصبح العالم أمام مرأى ومسمع من يسمعون ولا يصغون، ويرون فتعميهم أبصارهم عن الحقيقة. الخليج العربي عين العالم على لقمة العيش الضائعة في دهاليز الغباء الفاحش، والخليج العربي رئة العالم المزدحمة بغبار الأوهام، كل شيء في حياتهم وفي ذاكرتهم احتكار ما لا يحتكر، واتخاذهم من التاريخ ناقة عرجاء يهشّ إرادتها كهل متعجرف، وتمضي بلا سبر ولا سر يعظّم مكانتها في المكان والزمان.
اليوم خليجنا يقول للعشاق، مهما بلغت النياق ظمأً، سوف تدرّ من ضروعها شهد العزائم، وحزم الإرادة، سوف تمضي وتسقط الأوهام.
في أحضان من تلفتهم الأوهام، واختزلت أعمار المخلدين كذباً وافتراء، اليوم خليجنا يرفع النشيد عالياً، ويقول قادمون يا عرب، مهما بلغت الموجة عالياً، فجبال العروبة أعلى وإنْ صمت بوحها، اليوم هذه النغمة هي مشروع من وهبه الله سمة الخلائق الصادقين، اليوم بقيادة حكّمت العقل وسارت في دروب الوعي تبغي المجد، والمجد سحابة، مرت من هنا، من أرض عيال زايد تمطرهم بود «أبوخالد» حباً، وعزماً، وإرادة لا تقهر.
اليوم، الإمارات ريّانة بمجد، وسدٍّ وسعدٍ، وردعٍ أذهل شجعاناً وفرساناً، لأن الفارس أبدع في الفراسة، ولأن الشجاع برع في صناعة الطمأنينة من دون مواربة، ولا اختزال للتاريخ، بل هي السجية، سجية عيال زايد، في الملمّات تكبر الأعناق وتشمخ الجباه، والإرادات نواصع لا تغشيها غاشية، ولا تعيقها نائبة، لأنها من صنع إرث ملأ الدنيا نشيداً، والنشيد عتيد كما هي النخلة على قمم الرمال الحمراء، كما هي الركاب تمضي حقباً من أجل مضارب منّها الله بزعيم في ابتسامته رحمة، وفي طلّته كلمة تنهي الجملة، (ترانا بنظهر أقوى) ونحن أقوى، وسيفنا أمضى، وعزمنا أغنى.


