كنا صغاراً، نلهو على بحر الخليج، نتقافز مثل أرانب ثَمِلة بالهواء الصيفي المبلَّل، فقالت السيدة الوقور، وهي تمسك بعرجون قديم: هيا اخرجوا من البحر، ولا ترموا الأسماك بالحجر، إنه البحر، أتعلمون ما هو البحر؟ إنه الأزرق المحمول على صهوة أشواق من عشقوا محارته، ومن غاصوا لأجل معانقة الدرِّ النفيس. كنا نصرخ في وجه الموجة، وهي تصفع وجوهنا، وتمضي نحو الساحل، هناك تغسل المرأة قدمين بخضاب الملح، ثم تصرخ ثانية: اخرجوا من البحر، ولا ترموا الأسماك بالحجر، إنها نائمة، وبعضها تسرد قصة الحب بينها وبحَّار نام على ظهر قاربه، مُطلقاً الأناشيد بحب الخليج. 
ولم نرتدع، بل ظللنا نلهو، ونرفع الأصوات، رافلين بالفرح، ونحن نعالج صيفنا ببرودة الماء، وصفاء الخليج، من دون قوارب كأنها أسراب نمل. والمرأة الوقور تتابع عن كثب ما يحدث في البحر، والصغار يزغردون مثل عصافير تتعلق بأغصان، تملك شغاف النجوم المنثورة كما هي فصوص القلائد الزمردية. 
صغاراً كنا، كبرت معنا مشاعر كأنها الورود زاهية بعطرها، بهية بألوانها الأخّاذة، وها هو الخليج يصحو على الضجيج اليوم، وينشر شراعه عند هامات النجوم، ويغني لأجل الناس الذين أحبوا زعانف، وغنوا لها طرباً، ببهجة الأيام، أيام الصيف. والناس الذين ملأوا جعب الحياة، بالأناشيد، وقصائد ريانة بالمعنى، نشوانة بحب من عاشوا، وغادروا، ولم تزل صورهم مرسومة على صهوة موجة، أو صفحة ساحل، أولئك الذين قالوا للخليج لا تفزع، فأنت.. أنت الخالد، وسواك ذاهب إلى غير رجعة، لأنك من شيم رسمت صورة الفرح ولم تقدح إلى مَن عرق، كان في البدء مطر الغيمة، التي مرت على شفاه. وحيداً، كان في البدء حلم الزعانف بموجة، من جاريات، أرهقت الخليج ضجيجاً، وسدّت رئة كانت نافذة، وكانت خصلة على جِيد ووجنة. 
ذهبت تلك المرأة، ولكن صورتها لم تزل مرسومة على رمل البحر، وعلى صفحة موجه، ولم يزل الصغار الذين كبروا وشبّوا يسردون قصة المرأة، كما هي الحلم في ضمير التاريخ، كما هي الفكرة السماوية، في قلب الكواكب والنجوم، وها هي الصورة جلية، تعكس مرآتها كيف كان الخليج طفلاً، يغني لليل يغني للحياة، ويرفع النشيد، حفلاً أممياً، لا عنجهية فيه، ولا عجرفة، بل الحب يمنحه ضوء النجمة، ويحثّه على البقاء عند قامة الغيمة، مجلَّلاً بسورة يس، والمعوذتين، والله خير الحافظين.
في ليلة سرمدية، وقفتُ على رصيف، كأنه ساحل الخليج، ونظرتُ إلى السماء، وجدتُ الرصيف يُخبرني عن امرأة، مرت من ناحيته، وقالت سلام على الخليج، سلام وألف سلام على أهله الطيبين، ثم دلفت من باب كأنه المضيق، قلتُ هذا المضيق، هذا البوح والصدح الأنيق، سيبقى مضيقاً، لا عنق زجاجة.