تمضي الإمارات بخطوات واثقة نحو ترسيخ نموذج اقتصادي وتنموي يقوم على «صناعة الأثر»، لا مجرد تنفيذ المبادرات. وفي هذا الإطار جاء إطلاق «أكاديمية مجرى» ليشكّل محطة مهمة في مسيرة بناء منظومة وطنية متكاملة للمسؤولية المجتمعية والاستدامة.
الأكاديمية التابعة للصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية مشروع وطني لإعداد كوادر قادرة على تصميم وتنفيذ وقياس أثر مبادرات الاستدامة وفق أفضل المعايير العالمية. لتنقل مفاهيم المسؤولية المجتمعية والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة من إطارها النظري والتقليدي إلى ممارسات مؤسسية قابلة للقياس والتقييم.
تكتسب الخطوة أهمية إضافية لأنها جاءت بعد أيام قليلة من إطلاق حملة «المسؤولية المجتمعية قول وفعل»، في رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة لن تكتفي بالتوعية بأهمية المسؤولية المجتمعية، وإنما التركيز على تحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على المجتمع والاقتصاد والبيئة.
لقد تغيّرت النظرة العالمية للمسؤولية المجتمعية خلال السنوات الأخيرة. فلم تَعُد عملاً خيرياً أو نشاطاً موسمياً مرتبطاً بالصورة الذهنية للمؤسسات، بل أصبحت عنصراً أساسياً في استدامة الأعمال وتعزيز تنافسيتها. ومن هنا تبدو مبادرات «مجرى» منسجمة مع رؤية الإمارات لبناء اقتصاد أكثر مرونة.
وما يميّز التجربة ربطها بين التنمية الاقتصادية والقيمة المجتمعية، وبين النمو المؤسّسي والأثر الوطني المشترك. فإعداد الكفاءات الوطنية، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز الشراكات بين مختلف القطاعات، كلها عناصر تصب في هدف واحد يتمثل في بناء «اقتصاد الأثر» القائم على الشفافية والقياس والاستدامة.
اليوم، لم يَعُد السؤال: ماذا قدّمت المؤسسات للمجتمع؟ بل ما حجم الأثر الذي أحدثته؟ ومدى استدامته؟ ومن هنا تأتي أهمية «أكاديمية مجرى» وحملتها الوطنية، باعتبارهما خطوتين متكاملتين لترسيخ ثقافة جديدة عنوانها: المسؤولية المجتمعية ليست مجرد قول، بل فعل وأثر ونتائج قابلة للقياس.
إطلاق الأكاديمية يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه المحرك الرئيس لتحقيق أهداف الاستدامة. ومن هنا تبرز قيمة البرامج التعليمية المتخصصة التي توفرها الأكاديمية، وتستهدف مختلف المستويات المهنية.
وستسهم هذه المبادرات في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، خاصة في ظل تنامي اهتمام المستثمرين والأسواق العالمية بمؤشرات الاستدامة والحوكمة والمسؤولية المجتمعية. فكلما نجحت المؤسسات الإماراتية في توثيق أثرها المجتمعي والبيئي وقياسه والإفصاح عنه بشفافية، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية وترسيخ ثقة الشركاء والعملاء، مما يجعل من الاستدامة خياراً اقتصادياً ذكياً، بقدر ما هي مسؤولية وطنية وأخلاقية. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.