محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)
من المصادفات الجميلة أن يجمع تاريخ 21 مارس بين عيد الأم ويوم الشعر العالميين، الأم باعتبارها منبع الشّاعرية الآسرة والعميقة عند الأدباء والمبدعين والمفكّرين والفلاسفة، والشّعر وتمثلاته كأحد أشكال التعبير ومظاهر الهوية اللّغوية والثقافية، وهما من أجمل وأجمل ما لدى الإنسانية.
«الأم» أربعة أحرف من نور، إن اجتمعت اختصرت لغات الحبّ كلّها، ورسمت معاني العطاء بأقدس صورها، ولم يكن ذلك بعيداً عن ميدان وفضاء الإبداع، فقد سجّل الإبداع الإنساني لنبع الحنان صوراً عديدة ملهمة من أغنيات المهد والهدهدات وأحلام الطفولة ولثغتها وبراءاتها، إلى رمزيتها كنصف المجتمع، والحبيبة الأولى والأخيرة، ومن ذلك ما وجدناه عند أحد مفاخر الأدب العربي الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي، عندما يذكر جدّته، الأم الكبيرة التي ربّته بقوله:
أحنّ إلى الكأس التي شربت بها/
وأهوى لمثواها التّراب وما ضمّا
وهي القصيدة التي كانت ملهمة للشاعر محمود درويش، في نصّه الرفيع عن الأم الحقيقية والرّمزية على السّواء، متخذاً من شعر المتنبي وقوداً ليستنهض معجمه الشّعري الحديث المرتبط بالحياة اليومية:
أحنّ إلى خبز أمي.. وقهوة أمي.. ولمسة أمي..
وتكبر فيّ الطّفولة.. يوماً على صدر أمي..
وأعشق عمري لأني.. إذا متّ..
أخجل من دمع أمّي.
أمي.. يا حلمي
ومن ذات النظرة الشعرية كان شاعر المهجر جبران خليل جبران، يعتبر أمه (كاملة رحمة) النور والحضور والسّكن والوطن: كل البيوت مظلمة، إلى أن تستيقظ الأم. وغنّتها فيروز بكلمات سعيد عقل:
أمي يا ملاكي يا حلمي الباقي إلى الأبد/
ولم تزل يداك أرجوحتي ولم أزل ولد.
أما نزار قبّاني فقد ناجى أمّه بلغة شاعرية مبسطة، لعلها كما تشير بعض الدراسات النقدية «اللغة الثالثة» كما يقول:
طفتُ الهند، طفت السّند، طفت العالم الأصفر ولم أعثر/
على امرأة تمشّط شعري الأشقر/
وتحمل في حقيبتها إليّ عرائس السّكر.
وحظيت الأم بمكانة بالغة الأهمية أيضاً في العالم الروائي للأديب الكبير نجيب محفوظ، حيث قال عنها: «لعبت أمّي دوراً إيجابياً في تشكيل شخصيتي، وتحديد مساري الأدبي، ورغم أنّها لم تكن تجيد القراءة والكتابة، فقد علّمتني الحياة، كانت مخزناً للثقافة الشعبية». وفي رواياته تحتشد لها صور عديدة، وهل ينسى أحد منّا «أمينة» الأم في ثلاثيته (بين القصرين، قصر الشوق، السّكرية)، وكيف رسمها بقلمه نموذجاً للأمهات الطيبات الوديعات المتسامحات المتفانيات في خدمة الأسرة والأبناء.
ملهمتي الأولى
وفي المقابل يعرّف شاعر العامية المصري عبدالرحمن الأبنودي نفسه بقوله: «أنا ابن أمي فاطمة قنديل وجدتي ستّ أبوها»، وعنها أيضاً يقول: «أمّي هي ملهمتي الأولى التي صنعت مخزوني اللغوي والشّعري، في ذاكرتها تحفظ كل أغاني التّراث والحكايات، كانت تهدهدني طفلاً صغيراً في حجرها بالأغاني، حتى بات صوتها وصورتها جزءاً من تكويني، وضيفاً في الكثير من قصائدي».
وتبقى الأم في الأدب والفن كما هي في الحياة رمزاً لكل موقف جميل ونبيل، فمسرحية «الأم شجاعة» التي كتبها المسرحي الألماني برتولد بريخت، عام 1939، واعتبرها بعضهم واحدة من أعظم أعمال القرن العشرين المناهضة للحرب، تروي حكاية أم تسعى إلى البقاء على قيد الحياة لتأمين لقمة العيش لأولادها الثلاثة وإسعادهم ورعايتهم، في ظلال ظروف الحرب التي دامت 30 عاماً وهزّت أوروبا الشّرقية وألمانيا بشكل عميق.
أبعاد إنسانية
وفي رواية «الأم» للإيطالية جراتسيا داليدا، الحائزة على نوبل 1926، نجد حكاية أم تعيش أزمات نفسية ومعاناة مضنية، حين اشتبهت في أن ابنها ارتكب خطيئة. أما رواية «الأم» للكاتب الرّوسي مكسيم جوركي، فهي واحدة من الروايات الكبيرة التي تحمل قضايا إنسانية في الهوية والوطن والانتماء، وتعالج جوانب من تحديات الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت.
أما «باولا» في رواية التشيلية إيزابيل الليندي، فهي الابنة الراقدة على فراش المرض، حيث تبدو لنا في سيرة ذاتية تحكي فيها عن ابنتها التي توفيت بعد صراعها مع المرض، وليس أقسى على الأم من أن تشهد موت فلذة كبدها، وبلا تردد تكون على استعداد للتضحية بحياتها راضية لو كان ذلك سيمنحها دقائق إضافية تحياها على الأرض.
أما الروائي المصري خيري شلبي في روايته «الوتد» فيبدع في رسم صورة للأم المصرية في الرّيف، فهي عمود الخيمة، ووتد الأسرة التي تظلل أبناءها وتنجح في صنع مجتمع صغير يقوم على الوحدة والتكافل والاندماج، وصولاً إلى «الأم» في ثلاثية الروائي الفرنسي «جول فاييس» 1832 - 1885 «الطفل، الشاب، الثائر» حيث نجد صوراً عديدة لها وهي تدفع عن أبنائها مختلف أنواع الشرور في عالم ذئبي مخيف.
وفي أشكال أخرى من الإبداع اتسمت صورة الأم في معظم القصائد العربية القديمة منها والحديثة، بالقداسة والنقاء/ فنجد أمير الشعراء أحمد شوقي يقول في قصيدة له بعنوان «الأم»:
أغرى امرؤ يوماً غلاماً جاهلاً/ بنقوده حتى ينال به الوطر
قال: ائتني بفؤاد أمّك يا فتى/ ولك الدراهم والجواهر والدرر
فمضى وأغرز خنجراً في صدرها/ والقلب أخرجه وعاد على الأثر
ولكنه من فرط سرعته هوى/ فتدحرج القلب المعفّر إذ عثر
ناداه قلب الأم وهو معفّر/ ولدي، حبيبي هل أصابك من ضرر؟
كل الجمال والحب
كما نلمح هذه الصورة أيضاً في مقاربة أدبية تتماهى مع كل الجمال والحب، في قصيدة «الأم» أيضاً للشاعر التونسي أبي القاسم الشّابي، وهي تلثم طفلها وتضمه، بقوله:
الأم تلثم طفلها وتضمه/ حرم، سماوي، الجمال، مقدّس
تتأله الأفكار، وهي جواره/ وتعود طاهرة هناك الأنفس
حرم الحياة بطهرها وحنانها/ هل فوقه حرم أجلّ وأقدس؟
في السينما
وفي السينما تدور رائعة الأديب عبدالحميد جودة السّحار «أم العروسة» حول أسرة مصرية بسيطة في حقبة الستينيات، وقد قدمها المخرج عاطف سالم عام 1963، في فيلم سينمائي، يعرض لنا من خلاله صورة بطولية للأم المتفانية وهي تدفع بأبنائها إلى النجاح رغم سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها هذه الأسرة.
في التشكيل
وفي الواقع لا تختلف صورة الأم في كافة مناحي الإبداع الإنساني في كل العصور، فعلى مستوى التشكيل والنحت نجدها مثالاً يحتذى به في مشاعر الحنان والرعاية والحزن أيضاً على مصير الأبناء، كما نجدها في منحوتات «مايكل أنجلو» حيث هي السند والاحتواء، وكذلك لوحات ليوناردو دافنشي، التي سجلت الأمومة في مراحلها المختلفة، حيث تظهر في معظم أعماله وهي تحتضن ابنها وتميل رأسها عليه، وكأنها تحتويه وتستقوي به في الوقت نفسه، وهي كذلك عند الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، والهولندي فان جوخ.