الأحد 24 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

فريدريك الثاني.. رائد التسامح والتنوير

فريدريك العظيم بريشة الفنان الفرنسي «شارل أميدي فيليب فان لو» (بين 1763-1769)
13 يناير 2022 01:12

إميل أمين

قبل أكثر من ثلاثة قرون بقليل، وبالتحديد في 1712، ولد فريدريك ويليام الثاني، الذي سيعرف في التاريخ باسم «فريدريك العظيم»، ثالث ملوك بروسيا (ألمانيا حالياً)، التي كانت جزءاً مهماً ومؤثراً من «الإمبراطورية الرومانية المقدسة» لقرون عدة، وإن كانت تلك المملكة الصغيرة تحت حكم فريدريك، قد ارتفعت، تالياً، بسرعة إلى مرتبة قوة أوروبية كبيرة.
وقد اعتبر فريدريك الثاني طوال القرون الماضية رمزاً لصحوة أوروبا وخروجها من عصور التكلس والسكولائية الاجترارية، وهي التي عاشت أزمنة الحروب الدينية، والانغلاقات العقدية، ويكفي القول، إن الرجل رغم انتمائه إلى البروتستانتية، إلا أنه سمح ببناء كنائس كاثوليكية رسمياً في عام 1740، وكان هذا مؤشراً على تسامح ديني ومذهبي كبير في ذلك الزمن، وخاصة أن تلك الفترة قد عرفت فرار البروتستانت من بقية دول أوروبا عامة، وفرنسا خاصة، إلى بروسيا هرباً من الضيق الوثوقي الدوجمائي الذي ساد تلك الفترة.

فردريك وفولتير
وقد يتساءل القارئ هنا: من أين استمد فريدريك الثاني رؤيته للتسامح والتنوير في تلك الأوقات التي كانت فيها أوروبا تعيش في دياجير ظلامية مديدة؟
حكماً كان هناك سبب مباشر في اقتناع فريدريك بالرؤى التسامحية والتصالحية، تمثل في اتصاله بأحد أركان ورموز التنوير الأوروبي، فولتير فيلسوف فرنسا الأشهر والأمهر، وقد كشفت وثائق التواصل بينهما عن علاقة فكرية راقية ورائقة رغم الفارق في العمر، ما بين الفيلسوف الذي كان يبلغ في ذلك الوقت 42 سنة، وفريدريك الذي لم يكن عمره يتجاوز 24 سنة. لم يترك فولتير فرصة إلا ولقن تلميذه الأمير حب الإنسانية، وكراهية الخرافة والتعصب، والحروب.
وكان تأثير التنوير على فريدريك أكثر وضوحاً في الداخل البروسي أول الأمر، حيث بادر بإصلاح الجيش والحكومة، ووضع سياسة التسامح الديني، ومنح شكلاً أساسياً من حرية الصحافة، وعزز النظام القانوني، وأنشأ أول مدونة ألمانية للقانون. وقد أثبت فريدريك الكبير أنه عادل ومتسامح كجده، وفي عدد من الكتابات المختلفة كان يزكي سياسة التسامح الديني ويصفها بأنها قاعدة الحكمة السياسية.

حرية دينية
وفي عام 1740، وجه إلى فريدريك سؤال نصه كالتالي: هل بوسع المواطن الكاثوليكي أن يكتسب حقوقاً مدنية بعينها؟ وكان مصدر التساؤل هو الإدارة الحكومية في بروسيا، التي ورثت صراعات طائفية ومذهبية، بين أبناء الدين الواحد، ما بين البروتستانتية بأفرعها المختلفة، والكاثوليكية بوحدتها الجامعة.
وكان رد فريدريك مثيراً حين نتأمله ولاسيما في أيامنا هذه وقد جاء فيه: «إن كل الأديان جيدة بالتساوي، وحسب الناس الذين يعلنون إيمانهم بها أن يكونوا صادقين»، ويكمل قائلاً: «ولو أراد الأتراك (رمز المسلمين في أوروبا القرون الوسطى)، أو غيرهم، أن يجيئوا إلينا ويقطنوا في بلدنا، لبنينا لهم المساجد والمعابد، فكل أمرئ في مملكتي حر في أن يؤمن بما يريد وحسبه أن يكون صادقاً».
ويمكن القول إن تنوير وتسامح فريدريك، كانا عقلانيين، إلى أبعد حد ومدى، وذلك أنه قد أدرك صعوبة وجود المدينة الفاضلة على الأرض، وانتفاء جمهورية أفلاطون التي يحكمها الفلاسفة، فذهب إلى ضرورة قبول الآخر مهما كان مختلفاً مع التيارات الفكرية السائدة، أو المذاهب والأديان المهيمنة.

  • فريدريك (يسار) وفولتير (المصدر: موقع «التاريخ البروسي»)
    فريدريك (يسار) وفولتير (المصدر: موقع «التاريخ البروسي»)

التعليم ضد التعصب
وقد اهتم فريدريك بالعملية التعليمية، واعتبر أنها المدخل الرئيس والحقيقي لمجابهة الأصولية والتعصب في مداركها الأولى، ولهذا أصدر ما عرف بالنظام التعليمي ليثبت ويوسع التعليم الإلزامي الذي أعلنه والده، فتقرر أن يذهب كل طفل في بروسيا من سن الخامسة إلى سن الرابعة عشرة إلى المدرسة.
وانتصرت إدارة فريدريك التنويرية، فازدادت بروسيا في حياته غنى وقوة، وتضاعف عدد سكانها ولاسيما بعد أن أصبحت ملجأ للهاربين من العسف والحيف المذهبي في أركان القارة الأوروبية، وانتشر فيها التعليم، وأخفى التعصب الديني رأسه.

الثقافة والتنوير
والشاهد أنه ما من تنوير أو تسامح من غير ثقافة، ولهذا نجد أن فريدريك كان ملكاً محباً للثقافة، وراعياً لمختلف أنواع الفنون، ومن هنا يفهم المرء لماذا أمر شقيقه الأمير هنري بوضع حجر أساس بناء دار الأوبرا في برلين سنة 1741، وعرض الأداء الأول فيها يوم 5 ديسمبر 1742، وكانت تتسع لنحو 2000 شخص، الأمر الذي جعل من بروسيا مملكة للحضارة بكل صنوفها وألوانها.
وهكذا قاد فريدريك بروسيا في طريق التنوير، فبعد عام 1750 تم تأليف حوالي 175 ألف كتاب في مملكته، وكلها بعناوين ألمانية، كما أن حركات الترجمة من الإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية كانت منتشرة بقوة في زمن حكمه.
وشمل التنوير كافة جوانب وملامح ومعالم حكم فريدريك، فعلى سبيل المثال قام بإلغاء أية أساليب معاملة تحط من الكرامة الإنسانية، خاصة أن بعضها كان سائداً في عموم القارة الأوروبية في ذلك الوقت، كما ألغى عقوبة الإعدام، ما عدا الخيانة العظمى.

بلاط العلماء 
والحال أن زمن التنوير البروسي على يد فريدريك العظيم، بدا فيه بلاطه الملكي، مثل بلاطات الخلفاء العرب الذين آمنوا بالعلم والعلماء بكل انفتاح وتسامح وبغض النظر عن توجهاتهم العقدية. وهكذا ضم فريدريك في مجلسه الفيلسوف البروسي اليهودي المعروف موسى مندلسون، كما برز عدد كبير من رجال التنوير في أيامه، مثل الفيلسوف الشهير كريستيان جارفي، واللاهوتي يوهان سالوموسميلير، صاحب الفكر المتميز، الذي فسر الدين من الجوانب التاريخية، وكذلك الكاتب الساخر والكوميدي فريدريش نيكولاي، ويوهان كريستوف فون ويلز اللاهوتي الذي زار جميع مناطق بروسيا، وفصل لكل منطقة نوع القوانين وطريقة الحياة.
ولأنه لا تنوير من غير وجود دور مؤثر المرأة، النصف الثاني في المجتمع، لذا وجدنا النساء في عصر التنوير البروسي حاضرات وبقوة في أيام فريدريك العظيم، نساء من أمثال جولي هيرز، الكاتبة الرومانسية العظيمة، ذات الغزارة الإنتاجية.

حاكم مستنير
لقد بدت قصة التسامح والتنوير في زمن فريدريك، قصة جوهرية في مسارات تاريخ بروسيا ومآلاته الباهرة، وهنالك من صب اهتمامه بعمق على دراسة التنوير نفسه مثل يوهان فريدريش زولز، الذي بقى سؤاله الرئيس دائراً حول: «ما هو التنوير وكيفية بلوغه»؟
والسوال: ما الذي قادت إليه سياسات التسامح والتنوير بروسيا؟
المؤكد أنه مع صعود فريدريك، تحسنت أحوال الملاك والعمال والفلاحين على حد سواء، فقد درج على الإشراف على أعمالهم بنفسه وكان يزورهم أحياناً، وعمل جاهداً على إظهار نفسه حاكماً متنوراً، يعرف أحوال رعيته ويتعرف على مشاكلهم بتواضع، وقد قال ذات مرة: «أريد أن يلقبونني بملك المتسولين» Le Roi des gueux.

أعظم العقول
وكان من الطبيعي أن تظهر بقوة في زمن فريدريك العظيم، أبرع وأعظم العقول الألمانية، ويكفي هنا ذكر فلاسفة وشعراء عظماء مثل هيغل، وشيلر، ويوهان غوته، هؤلاء الذين غيروا مسار قرن جديد هو القرن التاسع عشر في تاريخ البشرية برمتها وليس في تاريخ بروسيا فحسب.
هل من خلاصة أخيرة؟
حكماً فالتنوير قرار فوقي، يقود فيه القائد شعبه، في مسارات الوفاق، بعيداً عن منزلقات الفراق، هكذا فعل فريدريك العظيم، وهكذا تفعل القيادات التنويرية عبر التاريخ شرقاً غرباً، عرباً وغربيين.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©