الأحد 24 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: في رثاء القلم

د. عبدالله الغذامي
9 أغسطس 2025 01:21

كان للقلم والحبر ذاكرةٌ خاصةٌ لكل طفل في فترة طفولتنا، وكنت أنظر بإعجابٍ شديد لمن هم أكبر مني، وأكثر ما كان يحرك مشاعري هو منظر أصابعهم ملطخةً بالحبر الأزرق، وأحياناً يصل اللطخ إلى ملابسهم، وهذا دفعني مراراً لتلطيخ أصابعي بالحبر ورش أطراف أكمامي ببعض الحبر متظاهراً بأني أجيد الكتابة وأتعامل مع المحابر، وكانت والدتي تتشكى من فعلي هذا وهي من تتحمل غسل ملابسي، ولكن هذا لم يردعني عن ممارسة لعبتي مع الحبر والقلم، إلى أن دخلت المدرسة وعرفت أن تلطيخ الأصابع لا يدل على مهارة في الكتابة وإنما عن سوء تدبير، وتعلمت كيف أحرك يدي مع المحبرة، وكيف أدير حركتي على الورق كي أضبط خطي على السطر، ولا تعتدي أسطري على بعضها، وأشد ذلك هو تعلم الاستقامة على السطر، وهذه هي أصعب المهارات حينها، وكانت متعتي بعد ذلك هي تعديد الألوان ما بين الأخضر والأزرق، وكنّا نتجنب الخط الأحمر لأنه خط الأساتذة حين لا يرقى عملنا للمستوى المطلوب، وزادت علاقاتنا مع الأقلام حين نحصل على قلم كهدية تفوق، وأهم هديةٍ حصلت عليها كانت قلماً من نوع (باركر 21) جاءني هديةً من عمي حمد، وأحضره رجل مع رسالة من عمي يذكر فيها أهمية القلم، وأن قيمته خمسة عشر ريالاً، وحدث أن سرقه مني أحد الزملاء مما أدى لمواجهة أمام أستاذنا الذي مال لتصديقي، وأعاد لي القلم وسط تشنج مني وتخوف أن يطير مني قلمي قهراً وعدواناً، بسبب ضعف جسمي مقارنة بجسم زميلي لولا تفهم المدرس وحكمه بالعدل.
وظلّ القلم يشكّل رفيق درب لازماً وأثيراً وعلامة مباهاة تتصدر واجهة الملابس وصدارة الجسم، إلى أن جاء زمن الإصبع ليقوم بدور القلم وزالت معه مهارات الكتابة، حيث تنوب الشاشة عنّا في اختيار أجمل الخطوط وأدقها، وغابت معه ذاكرة ثقافية مع الأقلام التي تتزين بها جيوب ثيابنا، وكأنها نياشين ثقافية ترمز للمعنى الثقافي وتتصدر وجهنا مع الناس ومع الحياة، وكانت ذات قيمة اجتماعية تتمثل بالهدايا وتكريم المتفوقين وتكشف عن تميُّز فئوي بين أقلام ثمينة ونادرة وأخرى عادية، ومن طرائف الأقلام القلم الياباني وكنّا نسميه الجاباني، وكانت الكلمة تحمل صفةً سلبية لأنه قلمٌ رخيص القيمة ومادته رخيصةٌ، مما جعل كلمة جاباني تعني الحقير والرخيص، ويعير بعضنا بعضاً بأنه جاباني أي رخيص، وتلك علامةٌ على مركزية القلم في حياتنا الثقافية والاجتماعية وأنه يحدد المستوى والمكانة.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©