من المبكر أن تتلاقى المفاهيم الخاصة بالأمن الأوروبي والأمن الروسي، ونحن ما زلنا في مرحلة النقاشات حول متطلبات الأمن الروسي الجديد قبل أن تتوقف العمليات العسكرية لروسيا في أوكرانيا، والتي ستشير إلى مساحات الحد الأقصى للترتيبات الأمنية التي تنشدها روسيا في محيطها الأمني الرئيس، وفي منطقة الفضاء الأخرى لأمنها خاصة في مناطق التماس الاستراتيجي، والتي تعتبرها خطاً أحمر في مقابل ما تريده الدول الأوروبية في صياغة فكرة الأمن الأوروبي الجماعي، والذي كرسه حلف «الناتو» عبر سلسلة الإجراءات الأمنية الكبيرة بعد توسع الحلف، ودخول دول جديدة.
وكان ينبغي إعادة تعريف معنى الأمن الأوروبي وهو ما سيتم التركيز عليه في الفترة المقبلة خاصة مع حجم التباين الكبير بين الأمن الأوروبي، وفي سياقاته متطلبات الأمن القومي الأميركي وفقا لإستراتيجية الأمن المؤقتة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي جو بايدن في مارس من العام الماضي، واعتبرت صيغة أمنية مؤقتة، ومن ثم فإن ما هو قادم مهم وخطير بين الأطراف الثلاث.
وبالنسبة لروسيا، فإن أمنها القومي الجديد، سيتجاوز البحر الأسود والبلقان والقوقاز بالمعني الجيواستراتيجي، والأمن الأوروبي خاصة مع حجم التوقعات بإعادة صياغة جديدة لأمن دول شرق أوروبا، والتي باتت مستهدفة من الجانب الروسي الأمر الذي يتطلب إعادة تغيير وسائل الدعم والتعامل، وفق منظومة أمنية حقيقية تراعي المتغيرات المستجدة على الأرض، واحتمال أن تمس الترتيبات الأمنية التي سيسعى إليها الجانب الروسي لتحقيقها أمنها المباشر بعد أن ثبت أن دول «الناتو» بأكملها تواجه اختبارات صعبة ومتطلبات ملحة تتطلب سرعة تبني سلسلة من التدابير، والإجراءات السياسية والإستراتيجية.
الشاهد أن دول الاتحاد الأوروبي عكفت على إعداد خطة العمل الأمنية، والدفاعية للاتحاد والتي ستشهد، من بين أمور أخرى، إنشاء قوة استجابة سريعة يصل قوامها إلى 5 آلاف جندي قابلة للنشر بسرعة في حالة حدوث أزمة. وهذا ليس ردا على ما يحدث في أوكرانيا بل نقطة تحول للاتحاد الأوروبي كمقدم للخدمات الأمنية، وخطوة مهمة للغاية لسياسة الأمن والدفاع الأوروبية بحلول عام 2030 مع منح الاتحاد الأوروبي إمكانية التصرف بحزم، وبشكل موحد وستساعده في تكثيف قدرته على الاستجابة للأزمات وزيادة مرونته، والاستثمار في القدرات المطلوبة والابتكار الدفاعي ويشمل البرنامج تطوير استراتيجية الاتحاد الأوروبي الفضائية للأمن والدفاع، وإنشاء سياسة الدفاع السيبراني للاتحاد الأوروبي للاستعداد بشكل أفضل للهجمات السيبرانية، والاستجابة لها وتوسيع قدرات التحليل الاستخباراتي.
في مقابل ذلك سيكون الأمن الروسي منصبا على استمرار العمل العسكري بهدف التواجد على بعض الأراضي، ولكن ثمن هذا مقاطعة اقتصادية صلبة، وربما المزيد من توسيع حلف «الناتو»، لأغراضه الدفاعية ودخول جورجيا ومولدوفا وفنلندا والسويد، ولكن الاستمرار في العمل العسكري في أوكرانيا يأتي في إطار تحقيق الأمن القومي الروسي.
ومعلوم أن آخر استراتيجية للأمن القومي الروسي صدرت العام الماضي، وحددت المصالح والأولويات الوطنية لروسيا وأشارت إلى وجود عدد من الدول تصف روسيا بأنها تهديد وحتى خصم عسكري، وأن روسيا لا تزال ملتزمة باستخدام السبل السياسية والدبلوماسية لحل النزاعات الدولية والوطنية، وأنه من المشروع اتخاذ إجراءات مناظرة وغير مناظرة لإحباط ومنع الأعمال غير الودية من الدول الأجنبية التي تهدد سيادة ووحدة أراضي الاتحاد الروسي، مع تحقيق هدف مركزي، والوصول إلى عالمٍ متعدّد الأقطاب..
وبالتوازي مع ذلك، أدارت روسيا جهوداً كبرى للتشبيك، اقتصادياً واستراتيجياً، مع الصين وأسست معها شَراكات اقتصادية ومالية وتحالفاتٍ سياسية مهمة، فبزغت منظمة بريكس، ثم أسست بنك بريكس، ثم نشطت روسيا في إطار منظمة «معاهدة شنغهاي»، وشاركت في تأسيس «بنك آسيا» للاستثمار في البنى الأساسية، ووقعت اتفاقية توريد غاز طبيعي مع الصين بقيمة 500 مليار دولار.
بناءً على ذلك، فإن الأمن الروسي والأمن الأوروبي لا يمكن أن يلتقيا في منتصف الطريق، وفي وجود دور مناكف متمثلا في موقف الولايات المتحدة.
أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية