وأخيراً نجح الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف في أن يصبح الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية العريقة، أهم مؤسسات الفكر والثقافة واللغة في فرنسا، الأكاديمية التي يعود تأسيسها إلى سنة 1634 وتضم 40 شخصية من أهم أعلام الفكر والأدب وتتمتع بسمعة عالية في الوسط الثقافي الفرنسي، ويعتبر أمينها العام من كبار الشخصيات العامة في البلاد. أمين معلوف أول شخصية من أصول عربية تنتخب لهذه الوظيفة السامية، بعد أن كان قد انضم إلى هذا المجمع العلمي المهم سنة 2011. ولا شك في أن اختيارَه على رأس الأكاديمية مستحق، باعتبار إنتاجه الأدبي والفكري المتميز الذي بدأه منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وقد تمحور هذا الإنتاج حول الجسور التاريخية والرمزية بين الشرق والغرب، التي يجسدها الرجل نفسه في سيرته الشخصية التي تعرّض لبعض مشاهدها في كتابه «غرق الحضارات». لقد اختار معلوف في رواياته المكتوبة بالفرنسية، والتي لقيت رواجاً عالمياً واسعاً، شخصياتٍ ترمز لقيم التسامح والإنسانية، مثل ليون الإفريقي (حسن الوزان) الأندلسي الذي تنقّل في كل أنحاء الدنيا وعاش في بلاد الإسلام قبل الاستقرار في روما، والشاعر الرياضي السمرقندي عمر الخيام.. كما تناول الحروب الصليبية التي حدثت في العصور الوسطى من زاوية المؤرخين والإخباريين العرب خارج منطق التصادم الديني.

في كل أعماله، ينطلق معلوف من صورة المشرق المتسامح المتنوع الذي عاش فيه سنوات عمره الأولى في القاهرة وبيروت، متحسراً على تقهقر القيم الإنسانية المنفتحة التي كانت تربط الناسَ والبشرَ في تلك الفترة الذهبية. وقد دفع معلوف نفسُه غالياً ثمنَ هذا التراجع الذي أطلق عليه «غرق الحضارات»، إذ اضطر إلى الرحيل من لبنان بعد اندلاع الحرب الأهلية، فترك صحيفتَه «النهار» إلى «جون آفريك» بفرنسا، وانتقل من الكتابة الأدبية بالعربية إلى اللغة الفرنسية التي غدا من أبرز كُتابها. ومع أن معلوف روائي كبير، إلا أنه في الوقت نفسه مفكر ثاقب النظر، كما يتضح من كتبه النظرية «الهويات القاتلة» و«غرق الحضارات» و«تفكك العالم».

في هذا الكتب الثلاثة يتناول معلوف الإشكاليةَ نفسَها التي هي انفجار الهويات في عصر العولمة، مع التعرض للسياق الدولي لهذه الظاهرة الخطيرة من هيمنة استراتيجية وثقافية غربية، وانحسار قيم التقدم والحرية في العالم، وانتكاسة مشاريع التحديث في العالم الثالث، منتهياً إلى أن الخيار الوحيد المتاح للإنسانية اليوم هو التشبث بالمُثُل التنويرية والعقلانية التي تلتقي حولَها الحضاراتُ الكبرى والوقوف بحزم ضد ديناميكية التطرف والكراهية والعنف.

في هذا التوجه، يكرِّس معلوف انتماءَه العميق للنزعة الإنسانية الفرنسية التي تشكلت على أساس الفكرة الكونية المفتوحة، في مرحلة تصاعدت خلالها في فرنسا ذاتها النزعةُ القومية المتطرفة والمغلقة. كثيراً ما يذكِّر معلوف الفرنسيين بأن بلادَهم التي اكتشفت الكونية والديمقراطية والدولة المدنية وأنجبت فولتير وديدرو وزولا وفاليري.. لا يحق لها أن تغلق أبوابَها عن طالبي الحرية والتقدم. والواقع أن لبنان الحديث الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي قام على الهوية الثقافية الإنسانية نفسها، ولم يكن التنوع الديني والطائفي السائد فيه عائقاً أمام دوره الحضاري الكبير في التقريب بين أمم الشرق وبين الشرق والغرب.

بيد أن هذا الدور انهار كلياً مع الحروب المتتالية التي عرفها لبنان منذ السبعينيات، إلى حد أنه أصبح اليوم خليطاً من هويات متصادمة لا شيء يجمع بينها، كما أن إشعاعه الحضاري والقومي انحسر كلياً. وفي كل مقابلاته ونصوصه، يحرص معلوف على التشبث بهويته المزدوجة المتشكّلة من الرافد العربي الإسلامي والمكون الغربي الإنساني، نافياً أن تكون اختياراته اللغوية والأدبية مؤشرَ انسلاخ من أصوله الحضارية العريقة.وليس من محض الصدفة أن يكون معلوف قد خلف في مقعده في الأكاديمية الفرنسية عالم الانتروبولوجيا الأشهر كلود ليفي شتراوس الذي وجَّه أهمَّ نقد علمي معاصر لنظريات التفوق العرقي ولأطروحات التخلف الثقافي والتوحش الإثني. كما أن معلوف يخلف في مركزه الجديد أميناً دائماً للأكاديمية المؤرخةَ الفرنسيةَ من أصول جورجية هيلين كاريير دي نكوس التي رحلت عن الدنيا في أغسطس الماضي.

وهكذا يتضح أن الأكاديمية الفرنسية هي اليوم الحصن الأخير للنزعة الكونية الإنسانية في هذا البلد الأوروبي العريق الذي كان مهد التنوير والحداثة الفلسفية الغربية والإبداع الأدبي الجديد.. ومن هنا، فإن اختيار أمين معلوف على رأس هذه المؤسسة العتيدة يفسَّر بتلك الخلفية الحضارية والتاريخية العميقة.

*أكاديمي موريتاني