استعرضت المقالة السابقة أزمة التنظيم الدولي من خلال عجز الأمم المتحدة التي تمثل قمة هذا التنظيم عن التصدي للمشكلات التي تهدد السلم والأمن الدوليين، سواء بسبب غياب قدرة مجلس الأمن عن اتخاذ قرارات فاعلة تواجه هذه المشكلات وتداعياتها نتيجة الاستقطاب الدولي الحاد الذي ساد تصورٌ بإمكان اختفائه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، لكنه عاد سيرتَه الأولى كأشد ما يكون كما يظهر بوضوح من الحرب الجارية الآن في أوكرانيا وتداعياتها، أو بسبب أن القرارات التي تتخذها الجمعية العامة بأغلبية كبيرة عادة بشأن قضايا كبرى تتصل بالسلم والأمن الدوليين ليست لها الصفة الإلزامية، ناهيك بأن قرارات مجلس الأمن ذاته لا تجد بالضرورة طريقها للتنفيذ.
ولقد أفضى هذا الوضع إلى إثارة قضية زيادة فاعلية الأمم المتحدة، وبالذات عن طريق تطوير مجلس الأمن، وقد شهدت ولايةُ الدكتور بطرس غالي التي لم يتم تجديدها، لصدامه مع السياسة الأميركية، محاولةً جادة للتطوير بتكليف من مجلس الأمن. ورغم الأفكار الجديدة التي تضمنتها هذه المحاولة، فإن متابعتها ضعُفت بعد أن فقد الدكتور غالي منصبَه، بالإضافة إلى أنها لم تتطرق لجوهر المشكلة المستعصية لمجلس الأمن الذي تتمتع فيه الدول الخمس دائمة العضوية بحق النقض (الفيتو) الذي يُجهض أي قرار لا توافق عليه ولو دولة واحدة من هذه الدول الخمس.
وإذا كان من الطبيعي أن تتركز محاولات التطوير على مجلس الأمن باعتباره الجهازَ الأعلى في الأمم المتحدة، فإنه من المحبط في الوقت نفسه أن كافة الأفكار الخاصة بالتطوير لم تتجه إلى المشكلة البنيوية الخاصة بإعطاء أي دولة دائمة العضوية القدرةَ على تعطيل المجلس بالكامل، فقد تركزت محاولات التطوير على إدخال أعضاء دائمين جدد للمجلس بحيث يضم دولا كبرى لا تقل في قوتها عن بريطانيا أو فرنسا مثلاً، كألمانيا واليابان، لكنهما لا تتمتعان بالعضوية الدائمة لأن الأمم المتحدة بُنيت على أساس توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية. ودار الجدل في هذه الحالة -أي حالة تمتع أعضاء جدد بصفة العضوية الدائمة- حول تمتع هؤلاء الأعضاء الجدد بحق النقض من عدمه، فرأى البعض أن إكسابهم هذا الحق سيجعل من شبه المستحيل دائماً التوصل لقرار، فيما رأى آخرون أنه سيجعل مداولات المجلس أكثر ديمقراطية بحكم تعبيرها عن آراء أكثر تنوعاً. وبغض النظر عن تمتع الأعضاء الدائمين الجدد بحق النقض من عدمه، فإن الجدل دار واسعاً حول معايير اختيار هؤلاء الأعضاء. ومن البديهي أن يتم ذلك بالانتخاب، فتنتخب المجموعة الأفريقية مثلاً دولةً تكتسب صفة العضوية الدائمة، لكن البعض أبدى تخوفه من أن يفضي هذا إلى إثارة حساسيات بين الدول المتنافسة على مقعد العضوية الدائمة، خاصة وأنه من البديهي أن يمثل المتنافسون الدول الرئيسية في مجموعتهم، ومن ثم فقد ينعكس هذا التنافس بالسلب على أداء المنظمة القارية التي تضمهم. ومن هنا بدأت تُطرح فكرة التمثيل الإقليمي، بمعنى أن يُعطى المقعد الدائم الأفريقي للاتحاد الأفريقي، والأوروبي للاتحاد الأوروبي، والعربي لجامعة الدول العربية.. وهكذا. ولا شك أن هذا الأسلوب سيكون أكثر تمثيلاً وديمقراطية، غير أن المعضلة أن كل هذه الأفكار لا تعالج المصدر الرئيسي للشلل وهو حق النقض فما الحل؟

*أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة