في مطلع هذا الأسبوع نقلت وكالات الأنباء خبراً أحدث صدمة كبيرة في الدوائر السياسية والإعلامية في مصر. فقد ذكر الخبر أن رئيس دولة إسرائيل موشيه كاتساف قام بتكريم عناصر الشبكة اليهودية الإرهابية التي قامت في عام 1954 بسلسلة عمليات إرهابية في مصر، تمثلت في تفجير صناديق بريد خاصة بالقنصلية وبالسفارة البريطانية في الأسكندرية ثم وضع عبوة ناسفة بالمركز الثقافي الأميركي ووكالة الاستعلامات الأميركية بالأسكندرية بفارق اثني عشر يوماً، حيث جرى التفجير الأول يوم 2 يوليو 1954 والثاني في الرابع عشر من نفس الشهر.
سلسلة الانفجارات التي أحاطها الغموض على أرض مصر في البداية سرعان ما انتقلت من الأسكندرية إلى القاهرة، حيث انفجرت في الرابع عشر من يوليو قنبلة أكبر في مقر المركز الثقافي الأميركي بالقاهرة. وبدأت العلاقات بين مصر وكل من بريطانيا والولايات المتحدة في التوتر، واتجهت أصابع الاتهام إلى التنظيمات الشيوعية المصرية وتنظيم الإخوان المسلمين، وكاد الهدف من العمليات الإرهابية يتحقق، وهو إحداث أزمة كبرى في العلاقات المصرية- الأميركية والبريطانية. لقد تدخلت يد القدر في الوقت المناسب لتكشف اللغز وتبدد الهدف وتفضح دولة إسرائيل ومخططها الإرهابي. ذلك أن أحد أعضاء الشبكة اليهودية الإرهابية ويدعى فيليب ناناسون ويبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً، كلف من قائد المجموعة، وهو المقدم "أبراهام دار" الذي دخل مصر ليس بصفته الحقيقية كضابط بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، بل بجواز سفر بريطاني باسم رجل أعمال يدعى جون دارلينج، بزراعة عبوات ناسفة في محطة قطارات السكة الحديد بالقاهرة، وفي مسرح ريفولي وفي دار سينما مترو ودار سينما ريو. في حينها وأثناء قيام ناناسون بزرع العبوات انفجرت إحداها في جيبه، فتجمع حوله المارة ونقلوه إلى المستشفى، وتبينت حقيقته مع التحقيقات كعضو في الخلية اليهودية الإرهابية. أدلى عضو الخلية الجريح باعترافات كاملة للسلطات المصرية تبينت منها مسؤولية الحكومة الإسرائيلية واستخباراتها في التخطيط والتنفيذ، كما تبين الهدف بشكل واضح.
في عام 1954 كانت المفاوضات بين مصر وبريطانيا قد بدأت لتحقيق جلاء قوات الاحتلال البريطاني عن مصر، وهو أمر لم يرض مجلس الوزراء الإسرائيلي، الذي لاحظ في نفس الوقت أن الولايات المتحدة الأميركية بدأت في فتح قنوات اتصال حميمة مع سلطة ضباط ثورة يوليو 1952، وهو ما دفع بن جوريون إلى اتخاذ قرار بضرورة القيام بعمل مؤثر يؤدي إلى إفشال مفاوضات الجلاء البريطاني عن مصر ويدمر فرص إقامة علاقات طيبة بين مصر والولايات المتحدة في نفس الوقت. انتهت الدراسات التي أدارها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنفسه مع قيادة الاستخبارات العسكرية إلى أن القيام بتفجيرات للمصالح والمنشآت البريطانية والأميركية على أرض مصر، سيوحي لبريطانيا والولايات المتحدة أن حكومة الضباط الأحرار هي المسؤولة عنها، مما يؤدي إلى تدمير فرصها في التقارب مع البلدين. تم تشكيل الشبكة وأطلق عليها اسم كودي "سوزانا" وتولى قيادتها أحد أقطاب الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال مردخاي بن تسور، ودفع برجاله لمصر مع تعليمات بالاعتماد على عناصر من يهود مصر قدر الإمكان لمعرفتهم بالخريطة المصرية. قادت التحقيقات إلى القبض على يهودي مصري هو فيكتور موين ليفي مهندس زراعي، وروبير نسيم وهو مصري أيضاً ينتمي إلى أسرة تجار يهودية، وصمويل عازر قائد خلية الأسكندرية، وماير موهاسي، وموسى ليتو قائد خلية القاهرة وهو طبيب مصري.
مع انكشاف العملية بكل تفاصيلها وأهدافها ألصقت السلطات الإسرائيلية المسؤولية بوزير الدفاع في ذلك الوقت بنحاس لافون، لإنقاذ صورة رئيس الوزراء، وسميت القضية برمتها في إسرائيل بفضيحة لافون. إن قيام رئيس دولة إسرائيل اليوم بعد مرور نصف قرن، بتكريم أعضاء الخلية الذين بقي بعضهم على قيد الحياة، وتكريم أسماء من أعدموا على يد السلطات المصرية، أمر يستدعي التفكير في دلالات عدة. أولى الدلالات أن إسرائيل التي تدين الإسلام بأنه دين الإرهاب تكرم إرهابيين تحركوا بوازع يهودي. وثانيها أن التكريم يأتي بعد قمة الجزائر التي رفضت تطبيع العلاقات قبل تنفيذ إسرائيل لاستحقاقات السلام العادل. فهل يوحي هذا التكريم بأن أصابع الإرهاب الإسرائيلي قادرة على التحرك في بلادنا في المستقبل؟.