حين رحل يوحنا بولس الثاني، بابا الفاتيكان، انقسم الكتّاب والمعلقون الغربيون، والعرب منهم إلى حد ما، بين المديح والتعظيم من جهة، والنقد الذي يكاد يكون نقضاً وهجاءً من جهة أخرى. والحال أن البابا بقدر ما هو موضوع للرأي هو موضوع للبصر. فالبولندي الأول الذي حل في سدة الفاتيكان، وكان أول غير إيطالي يشغلها منذ مطالع القرن السابع عشر، ذو أوجه بالغة التعدد والتفاوت تتيح له أن يكون إيقونة ونجماً. وما دامت كثرة الزوايا والتعرجات تزيد في نجومية النجم، صح القول إن البابا الراحل نجم كامل. فهو فضلاً عن دوره الديني مناضل سياسي ناشط، ولئن كان في شبابه رياضياً فإنه أنهى حياته وسط مطالبة مواطنيه البولنديين برسمه قديساً. فوق هذا، هو جوّاب آفاق قضي في الطائرات زمناً لم يقضه أحد قبله، وقد لا يقضيه أحد بعده. وهو صاحب آراء اجتماعية وأخلاقية مثل كثيرين من البابوات، لكنه، على عكسهم، تعرض لمحاولة اغتيال أصيب من جرائها ولم يمت. وكانت وفاته، كذلك، غنية بالصور غنى حياته، فاكتهاله ومرضه طالا كثيراً وجعلا من شكله المتداعي موضوعاً للتأمل في معاني القوة حين يسندها جسد كذلك الجسد الواهن.
بيد أنه، وإن راودته فكرة التخلي، آثر ألا يستقيل، فتصرف كمؤمن مناضل لا كمسؤول كنسي. والمناضلون والمؤمنون، كما قال المسيح وقال من بعده لينين، كلٌ بطريقته، لا يستقيلون من مهماتهم. فحينما تأكد أنه يواجه أيامه الأخيرة احتشدت الجماهير احتشاد الصلبان والشموع والطقوس والصلوات. فكان ثمة شيء يشبه الأداء الصوفي الحميم الذي يُمارس على نطاق واسع. وإذ لفظ أنفاسه، بدا أنه يموت موتاً معلوماً، محاطاً بكاميرات التصوير التلفزيونية التي تبث ما يتناهى عن حاله لحظة بلحظة، وعلى نحو عابر لحدود البلدان والقارات. وفي النهاية، صارت جنازته محفلاً دولياً جمع إلى الحشد الضخم أعداداً من القادة السياسيين وأهل "النجاح" المالي والاقتصادي، فسجل لقاءات ومصافحات غير متوقعة، وشكل مناسبة شعبية لـ"التلصص" على عليّة القوم ولـ"الفرجة" على مسلكهم وملبسهم، كما حركاتهم وسكناتهم.
وهذا جميعاً يوحي بأن السيرة البابوية، التي بلغت نقطة ذروتها مع الاستقلال البولندي، كانت سيرة سينمائية بامتياز. فهناك القصص المليئة بالأحداث والحركات، وهناك الصور التي يمكن للقصص أن تصيرها، بقدر ما يمكنها، بدورها، أن تُترجَم قصصاً.
وعن رجل كهذا تصعب الكتابة بحبر واحد، أو إدراجه في خط واحد، فهو من يستحيل تقديمه مُصفّى من العيوب والأخطاء على النحو الذي اعتمده المادحون، فأسبغوا عليه قداسة القديسين التي لا تشوبها شائبة. ومهما جهدت "الصورة" لرسمه هكذا -والصور في زمننا أكثر ما يرسم الأيقونات- يبقى أن وراءنا تاريخاً وأرشيفاً يمكن الاحتكام أيضاً إليهما لتدقيق الصورة. لكنه، وبمعنى مشابه، من يستحيل تقديمه كمجرد رديف للأخطاء، إن لم يكن للخطايا، تبعاً لموقف أيديولوجي حيال دوره السياسي، وأحياناً حيال الإيمان الديني جملة وتفصيلاً.
فمن ناحية، طغت ظروف الوفاة والمرض الذي سبقها، ولمدة أيام طويلة نسبياً، على أحداث عالمية ضخمة. وكان مما يزيد الإضجار خلوُّ المتابعة من كل حس نقدي ومقارن، حتى أننا رأينا علمانيين وعلمانيين سابقين، بل ملاحدة وملاحدة سابقين، يتبارون في كيل نعوت له وللكنيسة التي قادها تنضح بأفعال التفضيل. ومن ناحية أخرى، ظهر في فرنسا مثلاً من يستنكر الحداد على سيد الفاتيكان بذريعة أن الدولة علمانية، فيما ركز آخرون على "عمالته" لرونالد ريغان، وخرجت مقالات ذهب أصحابها أبعد، فشبّهوه بأسامة بن لادن إذ الاثنان "أصوليان" عملا في ظل القيادة الأميركية لإطاحة الشيوعية.
والحق أن من يراجع مسيرة البابا يوحنا بولس الثاني يقع على ما لا يحصى من أمثلة عن الدور الرجعي الذي لعبه في ميدان القيم الثقافية والمجتمعية. ففي عدائه للإجهاض والطلاق وزواج الكهنة وسيامة الكاهنات وحريات المثليين، كما في تحفظاته العميقة عن "التنوير" و"الفردانية"، وقربه من الكاثوليكية الفرانكوية في أسبانيا، اتخذ من المواقف ما تجاوزته المجتمعات الأوروبية الغربية وخلّفته وراءها. كذلك ارتد عن الصيغ التنظيمية التي أرساها المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينيات بأن حصر القرار الكنسي في بوتقة شديدة المركزية.
وأقدم يوحنا بولس، كذلك، على التدخل في كنائس أميركا اللاتينية بعقلية الحرب الباردة التي ترتاب بكل دعوة للإصلاح الاجتماعي وترى فيها "مؤامرة شيوعية". ومن هذا القبيل كانت حملته على "لاهوت التحرير"، وتعيينه المطارنة الأشد محافظة والأوثق ارتباطاً بملاّك الأراضي، وأحياناً بالطُغم العسكرية. ويتبدى اليوم حجم التباين ساطعاً بين الأفكار التي بشّر بها البابا الراحل وناضل من أجلها، وبين وجهات التطور السائدة. ذاك أن مسودة الدستور الأوروبي، مثلاً، رفضت الأخذ بإلحاحه على أن تكون المسيحية مصدراً أساسياً من مصادر الرابطة الأوروبية الجديدة. وها هم المؤمنون في أوروبا الغربية يتراجعون وزناً وتأثيراً، ف