من المتوقع أن تتحول كل من الصين والهند إلى قوى اقتصادية عالمية كبرى خلال العقد المقبل. فقد كان لكثافتهما السكانية الكبيرة، ونموهما الاقتصادي الملحوظ خلال العقدين الماضيين، تأثيرهما الاقتصادي والسياسي على المستويين الإقليمي والدولي. وفيما لو استمر هذا الاتجاه، فإنه ليس مستبعداً أن تتفوق الصين – وربما الهند أيضاً- على الولايات المتحدة الأميركية من ناحية إجمالي الناتج القومي المحلي. وقد أصبحت هذه التغيرات الجيو-سياسية الجارية في القارة الآسيوية، عاملاً جديداً في التفكير الأميركي بشأن الدور والوجود الأميركيين، في المنطقة الآسيوية. هذا وقد طرأت التغيرات الأوضح في هذا الاتجاه، على السياسات الأميركية المتبعة إزاء جنوبي آسيا مؤخراً. وبالمقارنة، فقد اتبعت الولايات المتحدة الأميركية، أكثر سياساتها انحيازاً إلى جانب الهند، على امتداد السياسات الأميركية كلها، منذ أيام إدارة الرئيس جون فرانكلين كنيدي. وقد حدث ذلك في وقت مبكر من إدارة الرئيس بوش، قبيل نشوء أزمة الحادي عشر من سبتمبر. وفي وقتها كان قد ساد الاعتقاد أن الهند تعد دولة أكثر أهمية لأميركا من باكستان. ونتيجة لذلك، فقد تراجعت المخاوف من الأسلحة النووية الهندية، التي كانت قد شكلت هاجساً أمنياً لكافة الإدارات الأميركية السابقة لإدارة الرئيس بوش.
وخلافاً لباكستان، فقد تقرر ألا توضع الهند معها "في سلة واحدة" جنوب آسيوية، بسبب أن الهند تعد أكبر ديمقراطية عالمية، وأنها تشاطر الولايات المتحدة الأميركية، الأهداف والمصالح الاستراتيجية ذاتها. وخلال تلك السنوات، وخلافاً للهند، فقد آزرت باكستان النشاط الإرهابي المعادي للهند في إقليم كشمير، إلى جانب مساندتها لنظام طالبان في أفغانستان المجاورة. لكن وعلى إثر وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، وجهت إدارة بوش إنذاراً أخيراً لحكومة باكستان، وسرعان ما وافق رئيسها الجنرال برويز مشرف، على تأييد الحرب الأميركية على أفغانستان، بقصد الإطاحة بنظام طالبان هناك. وقد اتخذ مشرف هذا القرار، ضد رغبة وإرادة الكثيرين من مواطنيه. وإلى اليوم، ظلت مشاعر العداء للولايات المتحدة الأميركية، على أشدها في باكستان. وبسبب هذا التأييد من جانب باكستان، فقد اكتسبت هذه الأخيرة – شأنها في ذلك شأن الهند- مكانة خاصة في واشنطن وسياساتها الآسيوية الجديدة.
لكن وبحسابات المستقبل القريب والبعيد، فإن فرص الهند تبدو أوفر حظاً من باكستان، في السياسات الأميركية المعاصرة. ذلك أنه لا يزال في نية الإدارة الحالية، إعطاء الأولوية للعلاقات الأميركية- الهندية قبل كل شيء. ولا تعود هذه الأولوية إلى العلاقات الاقتصادية التجارية بين البلدين فحسب –مع العلم بأن هذه العلاقات تذللها كثيراً عوامل اللغة المشتركة بين نيودلهي وواشنطن- إنما أيضاً إلى القوة العسكرية الكبيرة التي تعد بها الهند، في مواجهة تنامي القوة الصينية في المنطقة. وتتأكد هذه الحقيقة على نحو خاص، مع تطوير الهند المطرد لقدراتها وقوتها البحرية.
ولما كانت كل من الهند والصين، تتبادلان الحاجة الماسة لاستيراد النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط، فإن هذه الحاجة المشتركة، ينظر إليها من واشنطن على أنها عوامل نزاع وتعاون في ذات الوقت، بين الدولتين الجارتين. وأكثر ما يعلي من مكانة الهند في نظر واشنطن، أنها نظام ديمقراطي علماني، يحترم حقوق الأقلية المسلمة الكبيرة في البلاد.
إلى ذلك تبقى معضلة باكستان في كونها لا تزال دولة ديكتاتورية، وفي أن الجيل الجديد من قادتها العسكريين، لا يشاركون نظام مشرف الحالي، مساندته وتحالفه مع واشنطن، نظراً لأن الجيل الأخير، لم يتلق تدريبه العسكري في أميركا، مثلما حدث للأجيال العسكرية السابقة. لكن وعلى رغم كل هذه السلبيات، فإنه ليس في وسع واشنطن تجاهل باكستان، بسبب الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي تتمتع به. ليس ذلك فحسب، بل لا سبيل لواشنطن إلا مواصلة التعاون مع كل من نيودلهي وإسلام أباد، بغية تعزيز الأمن الإقليمي في المنطقة، ومكافحة نمو التطرف فيها.