في هذا الكتاب يناقش جورج فيجل, أحد أبرز المفكرين والمثقفين الأميركيين المعاصرين, ما بدا له من أسئلة مهمة, تتصل بالتأثيرات المحتملة لما رأى فيه تخلياً من جانب أوروبا عن جذورها الثقافية والروحية, على مجمل التجربة الديمقراطية الغربية, بما فيها الديمقراطية الأميركية ضمن هذا التقسيم. ومن بين الأسئلة التي أثارها المؤلف: لماذا تتسع الشقة والمسافة إلى هذا الحد, بين النظرتين الأميركية والأوروبية إلى العالم؟ ولماذا يتباين فهم الديمقراطية بكل هذا القدر, بين الأوروبيين والأميركيين في عصرنا الحالي؟ ومن خلال المقارنة بين تلك الحضارة الحديثة التي صنعت "مكعب قوس النصر العظيم" في فرنسا, وكاتدرائية نوتردام الهولندية المبنية على الطراز القوطي, يخلص المؤلف إلى أن في احتضان أوروبا للرؤية العلمانية الضيقة, ما يهدد روح هذه القارة, بل ومستقبلها كله, ومن شأنه أن يخلف دروساً ينبغي على العالم الديمقراطي كله أن يتعلمها.
ويرد جورج فيجل هذه الأزمة الروحية الدينية الأوروبية – كما يراها- إلى طغيان النزعة الإنسانية اللادينية التي سادت الحياة الفكرية الثقافية الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. ومن رأيه أن ذلك القرن هو الذي مهد الظروف والمناخ لاندلاع حربين عالميتين طاحنتين, إلى جانب تمهيده الظروف لنشأة ثلاثة أنظمة سياسية شمولية, هي الفاشية والنازية والشيوعية, وما تلاها من حقب الحرب الباردة الطويلة. ومع ذلك, لا يزال الأوروبيون على موقفهم وإصرارهم على أن الطريق الوحيد لتأمين الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان, هو المسير على خطى العلمانية, مع الاحتفاظ للدين, بخصوصيته الروحية بعيداً عن حقل السياسة ومؤسساتها. يأتي هذا الإصرار مصاحباً للمناقشات الدائرة اليوم بين الأوروبيين حول مسودة دستورهم الجديد. لكن ومن جانب نظر المؤلف, فإن بوسع الكاتدرائية أن تتفوق كثيراً في مجال الالتزام بضمان حرية كل فرد من أفراد المجتمع, بمستوى يعجز عن تحقيقه أصحاب معسكر "مكعب الحداثة". ومن هذه الزاوية في المقارنة, يطرح المؤلف سؤاله على نحو أكثر وضوحاً ومباشرة: هل للأوروبيين من سبيل للتفاوض حول مفهوم الصالح العام لقارتهم, والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان, مع هذا التغييب الكامل للرب أو الدين؟ ولما كان المؤلف لاهوتيا كاثوليكي المذهب والنزعة, شديد التدين والإيمان بالمكانة المركزية للدين في حياة المجتمعات, فإن الإجابة الوحيدة المتوقعة من جانبه على هذا السؤال الاستنكاري الذي طرحه, هي النفي القاطع. فبصفته لاهوتياً, يرى فيجل أن مستقبل الأمم والشعوب, إنما يقاس بمدى روحانية تطلعاتها وآمالها عند التحليل النهائي والأخير.
ولهذا فإن مبنى "المكعب" الباريسي, يبدو في عين جورج فيجل, بمثابة رمز وتجسيد لانسحاب القارة الأوروبية كلها, وتراجعها عن المسار الديمقراطي. والسبب أن المكعب, يعد معقلاً للتنظيمات العلمانية المصابة بأعراض الرهاب الفكري والثقافي من المسيحية. وفي المقابل فإن كاتدرائية نوتردام, تعد تجسيداً للتاريخ المسيحي الديني للقارة. ولكن المشكلة أن التصميمات الجديدة للمكعب, تزعم أن في الإمكان تضمينها إلى مبنى المكعب, أو في وسع الأخير إفساح المجال لها, وضمها إلى ما يرمز إليه المكعب من مفاهيم وقيم علمانية في الأساس. ولا يفوت على المؤلف بالطبع, أن يلاحظ أن الذي غاب من نصوص ومناقشات مسودة الدستور الأوروبي هو الكاتدرائية, بينما طغى عليهما المكعب وحده. وعليه فقد كانت السيادة للعلمنة ومحو الدين بالكامل من مسودة الدستور الجديد. ومن الموقف نفسه, يحث المؤلف الأميركيين على تبصر وتعلم الدرس الأوروبي, بما له من تداعيات وانعاكاسات مرتقبة على التجربة الديمقراطية العالمية برمتها. ومن بين المصادر الكثيرة التي عول عليها المؤلف في دراسته هذه, آراء ومساهمات البابا الراحل يوحنا بولس الثاني, الذي كان كثير الاهتمام بالتجربة الديمقراطية العالمية, ودروسها وتضميناتها.
وبعد, فهل في وسع أوروبا أن تجعل العالم أكثر أمناً وسلامة من أجل ازدهار الديمقراطية وتقدمها؟ كلا إن هي استمرت في هذا النهج اللاديني والتنكر للجذور المسيحية, الذي تسير فيه الآن. بل إن من رأيه أن القارة الأوروبية تواجه عدة مخاطر اليوم. فشعوبها التقليدية الأصلية تشهد انحساراً وتراجعاًَ واضحين – بما يهدد هويتها وقوميتها الأصلية- ويعاد تشكيل هذه الهوية اليوم بواسطة الملايين من المسلمين الذين يهاجرون إليها كل عام. ضمن ذلك فإن من المتوقع أن تكون أغلبية الشباب الهولنديين مثلاً من المسلمين, بحلول عام 2030. كما اتجه الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر نحو القوة الدبلوماسية الناعمة, بديلاً استراتيجياً للقوة الخشنة الضاربة, التي كانها ذات يوم. فأين تكمن المشكلة أو الأزمة الأوروبية كما يسميها جورج فيجل. إن بعضاً منها يمكن رؤية انعكاساته في مسودة الدستور الأوروبي الجديد, التي ترد نشأة القارة ومجتمعاتها إلى حضارة أثينا القديمة, وإلى عصر التنوير, دون أدنى ذكر لدور المسيحية في هذه الحض