منذ القدم ومرض الملاريا يلعب دوراً رئيسياً في حياة مجتمعات دول العالم القديم، وخصوصاً تلك الواقعة منها حول حوض البحر الأبيض المتوسط· ففي مصر القديمة، وقبل عصور الأسر الحاكمة، عثر الباحثون على آثار الإصابة بمرض الملاريا في مومياوات تعود إلى تلك الفترة التاريخية السحيقة، ويؤمن الكثير من العلماء أن إنسان الكهف أو إنسان العصر الحجري، حمل معه هذا المرض الطفيلي على طريق هجرته من قارة أفريقيا إلى سواحل المتوسط ومن بعدها إلى الهند وجنوب شرق آسيا· ومنذ تلك الأزمنة الغابرة ومرض الملاريا يتسبب في آثار صحية مدمرة، طالما أخلت بالنسيج الاجتماعي - الاقتصادي للشعوب والدول، وهو ما نتج عنه سقوط حضارات وأحياناً اختفاؤها التام في أكثر من مرة·
وعلى رغم أن تلك المجتمعات البشرية كانت تجهل السبب العلمي خلف المرض، إلا أنها ربطت بينه وبين المستنقعات والمياه الراكدة، وهو ما دفعها لاتخاذ بعض الإجراءات والتدابير الوقائية، مثل استصلاح أراضي المستنقعات وصيانة نظم الري بشكل سليم· ولكن إن كانت الملاريا قد تسببت في اختفاء بعض الحضارات القديمة، إلا أنها وقفت كعقبة كأداء أمام المد الاستعماري الأوروبي للدول الأفريقية على طول الفترة الزمنية الممتدة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، على خلاف المناطق الاستوائية الواقعة في أميركا الجنوبية وآسيا··· ولم يتمكن الأوروبيون من استعمار قلب القارة السمراء، إلا بعد البدء في استخدام عقار الكينين كوسيلة للوقاية منه وعلاج الملاريا للبحارة والجنود الأوروبيين·
هذا المرض الذي أثر كل هذا التأثير في مجرى التاريخ البشري حتى الآن، أعلن علماء جامعة أوكسفورد أمس الثلاثاء عن عزمهم بدء تجربة أول تطعيم ضده، في وقت ما من العام القادم· فعلى رغم قدم الملاريا وتسببها في مقتل الملايين كل عام، لم ينجح العلماء حتى الآن في تخليق أي نوع من التطعيمات يمكنه الوقاية منها· هذا الإخفاق العلمي المؤسف، ينوي علماء أوكسفورد أن يضعوه ضمن صفحات التاريخ من خلال استخدام مجموعة من الطرق والأساليب التي يفترض أن تمنح التطعيم الجديد فاعلية كافية تقي من الإصابة لاحقاً بالملاريا· ولتحقيق هذا الهدف سيقوم العلماء بتدريب جهاز المناعة البشري على مهاجمة الطفيلي المتسبب في المرض حالما يظهر بين خلايا كبد الشخص المصاب· هذا الأسلوب الذي تبنى عليه معظم التطعيمات شائعة الاستخدام حالياً ضد الأمراض الأخرى، يعتمد على التعريف المسبق لجهاز المناعة بأجزاء من الميكروب وتوليد مضادات طبيعية ضدها· وحالما يدخل الميكروب الفعلي إلى الجسم ويتعرف جهاز المناعة عليه، تبدأ تلك المضادات في مهاجمته وقتله·
وعلى رغم بساطة هذه الفكرة وشيوع استخدامها في تصنيع التطعيمات المختلفة، إلا أنها ووجهت بمشكلة تعدد أجناس طفيلي الملاريا وتعدد أنواع البروتينات التي تدخل في تركيب كل منها· وهو ما يجعل من تعريف الجسم على بروتين محدد في أحد الأجناس، عديم الفائدة في مقاومة بقية الأجناس الأخرى التي لا تحتوي على البروتين نفسه، ولحل هذه المعضلة خرج علماء أوكسفورد بحل عبقري، يكمن في تجميع بروتينات مختلفة من جميع الأجناس ووصلها ببعضها بعضاً، ومن ثم تقديمها للجسم كتطعيم يتعرف من خلاله على تلك البروتينات ويكون المضادات الطبيعية ضدها·
وفي حالة ما إذا دخلت الجسم أي من الطفيليات بأجناسها المختلفة، فسيتمكن الجسم وقتها من التعرف عليها ومهاجمتها وتدميرها· وعلى رغم بساطة الفكرة وعبقريتها، فسوف تحمل معها آمالاً كبيرة في تحقيق انتصار ملموس أمام هذا المرض اللعين الذي يقتل الملايين كل عام حتى وقتنا هذا، ولا يفوقه في عدد الضحايا على مستوى العالم أي مرض آخر غير مرض السل أو التدرن الرئوي·
فطفيلي الملاريا موجود حالياً في تسعين دولة من دول العالم ويصيب واحداً من كل عشرة أشخاص، وخصوصاً أفراد الشعوب القاطنة لأفريقيا والهند والبرازيل وسريلانكا وفيتنام وغيرها من الدول· تسعون في المئة من مجمل حالات الملاريا على مستوى العالم توجد في أفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يجعل هذا المرض السبب الأول للوفيات في تلك المنطقة وأكبر المخاطر الصحية تأثيراً على صحة الأطفال، حيث يلقى طفل حتفه كل ثلاثين ثانية من هذا المرض على مستوى العالم· ولا يقتصر تأثير الملاريا على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى سلبيات خطيرة على الجانب الاقتصادي أيضاً للدول المستوطن بها المرض، مثل فقدان القوى العاملة الشابة وفقدان الكثير من أيام العمل بسبب المرض، وفقدان الدخل السياحي بسبب ابتعاد السياح عن المناطق المستوطن فيها الملاريا وهو ما يؤدي أيضاً إلى هروب رؤوس الأموال وشح الاستثمارات الدولية في تلك المناطق· والمؤسف أنه بعد عقود من الجهد المبذول للسيطرة على هذا المرض، أصبح عدد من يلقون حتفهم بسبب الملاريا أكثر مما كان عليه قبل ثلاثين عاماً مضت، بل انتشر المرض أيضاً خلال العقود القليلة الماضية إلى دول ومناطق في العالم لم يكن موجوداً فيها سابقاً· فعلى رغم أن الملاريا مرض من أم


