استمعت لبعض من ردود الفعل في الفضائيات ومحطة العربية على سقوط الطاغية صدام حسين· فتباينت ردود الناس على سقوطه، فمنهم من كان فرحا، ومنهم من كان يعتريه الحزن ووصف البعض هذا السقوط للطاغية بأنه يوم العار للأمة العربية· وقال من اختلجه الحزن بأن سقوط صدام حسين هو سقوط للأمة العربية·
لم تكن هذه الردود الحزينة على سقوط الطاغية مقتصرة على أفراد معدودين وإنما كان عددهم ملفتا للانتباه وأثارت هذه الردود المتباينة كثيراً من الشجون في الشأن العربي·
صحيح استقبلت العراق والكويت سقوطه بفرحة عارمة، فقد كانت للعراقيين ذكريات أليمة مع حكم الطاغية، فقد منع عنهم الحرية وعذب الكثير، وهاجر العديد، وقتل الآلاف لأنهم اختلفوا مع حكم الطاغية· وكما استقبل العراقيون خبر سقوطه بالفرحة والتظاهر في الشوارع، فكذاك كان الحال في الكويت· فالكويتيون ذاقوا الأمرّين من حكم الطاغية، وما زالت آثار غزوه ماثلة أمامنا، فالذاكرة الكويتية تحتفظ له بخبرات مريرة عندما غزا بلدهم في أغسطس ·1990
الأمر المحزن لي كانت ردود الفعل التي وجدت في سقوطه هو سقوط للأمة العربية، وبدأت أتذكر كيف أن الديكتاتوريات عبر حكمها استطاعت أن تنسج حياة الإنسان وتحوله إلى محب ومدافع عن أسياده وعن من كان مصدرا لتعاسته ومأساته·
أشكال السيطرة والاستبداد التي تقوم بها النخب الحاكمة تبدو لنا وكأنها وثيقة الصلة بقوانين الضبط في المجتمع وتتحول علاقات السيطرة والاستبداد كجزء من إدارة الناس لحياتهم، ويصبح الاستبداد وعلاقاته مصدراً لاستلهام السعادة لهم، وتصبح مصائب الآخرين مصدر سرور في حياتهم· وربما ذلك يذكرنا كيف عم الفرح في بعض البلاد العربية في أحداث 11 سبتمبر، فالناس ملكتهم الفرحة عندما شاهدوا الطائرات تخترق أبراج نيويورك، وصفقوا لموت أبرياء هم ليسوا طرفا في معادلة الصراع·
وكذلك الصورة ماثلة أمامنا في غزو الكويت، فالفرحة ظهرت على البعض، وتحول غزو الكويت إلى مصدر للتشفي وإشباع الرغبات المريضة·
هذه الصورة المأساوية تؤكدها خبرات تاريخية كثيرة، فالناس في ظل حكم الطغاة يصبح اليأس والغضب حقيقة من حقائق الحياة وجزءاً من قوانين الطبيعة بالنسبة لهم· فالناس أنفسهم يعيدون توليد علاقات السيطرة والهيمنة·
الناس الذين نراهم يخرجون في تظاهرات حاملين صور الدكتاتور الساقط، هو تعبير بائس عن بأسهم وفقدانهم للأمل في الحياة· فهم فاقدو السيطرة على ذواتهم وهم تحولوا إلى أدوات للطاغية، وهم من يدافع عن حكم الطغاة· هذه الظاهرة المرضية في حاجة إلى دراسة متعمقة لفهم أبعادها في العقل الجمعي العربي· الأوضاع المخيبة والبائسة ستستمر حتى في زوال الديكتاتوريات، فنحن بحاجة إلى مراجعة أطروحاتنا الفكرية التي أدخلتنا في مآزق مع الذات ومع الآخر، وأصبحنا بطريقة دورية ننتقل من أزمة إلى أخرى، دون أن نوجه انتباهنا لحقيقة الواقع الذي نحن أنتجناه ونحن عملنا على استمراره·
وكلمة أخيرة نقولها إن سقوط صدام حسين الذي لم يكن نبتا شيطانيا، وإنما هو نتاج لثقافة الاستبداد والتسلط، ولعل في سقوطه دعوة لكل أشكال الاستبداد العربي أن تلتقط أنفاسها وأن تعيد النظر في سياساتها وأن تدرس التاريخ بعناية وتتعلم منه وأن يدرك العرب أننا بحاجة إلى صحوة عقلية تضعنا في الطريق الصحيح· فتجاهلنا لواقعنا سيعمق أزماتنا ويخرجنا من هذا الزمن·
محاكمة صدام حسين هي محاكمة لكل الديكتاتوريات في العالم، ونأمل أن نتجاوز رغبات التشفي وأن يؤكد العراقيون رغبتهم في سيادة القانون الذي فيه ضمان لمستقبل العراق الجديد·


