يمثل اعتقال صدام حسين في الأسبوع الماضي من قبل القوات الأميركية نقطة تحول عظمى في تاريخ المنطقة، فلم تتمكن أي دولة من قبل من إسقاط رئيس دولة عربية، بطريقة مباشرة أو بشكل مباشر. فتاريخ المنطقة خلال القرن الماضي كان حافلاً بالانقلابات والمؤامرات العسكرية، التي لم تستبعد فيها أيدي قوة أجنبية، في تشجيع أو مساعدة بعض القادة العسكريين المتمردين على السلطات المدنية الحاكمة في بلادهم. فتاريخ سوريا على سبيل المثال، وكذلك تاريخ العراق منذ عام 1936، هما تاريخان حافلان بالانقلابات العسكرية .
وخيّل إلى أعداد كبيرة من دارسي الشرق الأوسط ومحلليها أن عصر الانقلابات العسكرية قد ولى واندثر، وأن الدولة العربية المعاصرة قد أصبحت قوية ومهيمنة على جميع أوجه الحياة العامة، وأنه قد تم تدجين جميع المؤسسات العسكرية، وأصبحت خاضعة بشكل طوعي ومباشر لإرادة السلطة السياسية المدنية، مثلها مثل أية مؤسسة أخرى داخل هذه الدول.
ولكن السقوط العسكري السريع للقوات العراقية أمام القوات العسكرية الغازية، وعلى رغم التباين الشديد بين القوة العسكرية لدولة عظمى، والقوة العسكرية لدولة إقليمية منهكة، لكنه كان دراماتيكياً وأثار الكثير من التساؤلات التي لم تجد إجابات شافية لها حتى الوقت الحاضر. وتساءل الكثيرون في أبريل الماضي، كيف حدث ذلك، وأين القوة العسكرية العراقية، وكيف ترك الجنود آلياتهم ومعداتهم وهربوا إلى منازلهم؟ وكيف خانتهم قياداتهم العسكرية بشكل مذهل وغير منطقي؟ وهل كان ذلك نتيجة لقوة وكثافة النيران التي ألقيت على هؤلاء الجنود أم أنها خيانة من القيادات العسكرية لأحد أقوى الجيوش العربية في الثمانينيات والتسعينيات؟
ولا شك أن الحرب الأميركية ضد العراق ستكون موضع دراسة وبحث للعديد من المحللين الاستراتيجيين في المستقبل. وستضع في المحك العقيدة القتالية للجيوش في الدول العربية، وكيف يمكن تعديل أو تغيير مثل هذه العقائد، والمناهج.
ولكن السهولة التي سقط بها صدام حسين، أقوى شخصية سياسية في تاريخ العراق الحديث، كانت مريعة بكل المقاييس. فلقد كتبت الصحافة أن صدام قد خانه أقرب المقربين إليه، وأن حب المال قد طغى على كل حب آخر، سواء كان أسرياً أو عشائرياً أو غير ذلك. كذلك فقد تحدثت الصحافة عن احتمال استخدام الغازات والتخدير حين تم القبض عليه وخاصة أنه كان مسلحاً ولم يقدم أية مقاومة تذكر. ولكن عدم قدرته على المقاومة واستسلامه بسهولة كان دراماتيكياً بكل المعايير. وتثير مسألة اعتقال صدام حسين أبعاداً قانونية خاصة بانتهاء مفهوم السيادة. فلقد كان القانون الدولي يعطي أعضاءه سيادة كاملة في حكم أراضيهم، ولا يمكن لأية دولة أخرى التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول . ولكن أحداث بنما عام 1989، واعتقال نوريجيا عام 1990، وكذلك اعتقال ميلوسوفيتش عام 1999، واعتقال صدام حسين اليوم ، كلها وقائع تثبت بدون أدنى شك أن زعماء الدول وسياسيها لا يمكنهم أن يحتموا بعد اليوم بحماية مفهوم السيادة، الذي ظل طوال عقود طويلة يحمي قانونياً مختلف الدول ، صغيرها وكبيرها، من أي اعتداء أو تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية .
كما أن السهولة التي استطاعت بها القوات الأميركية اجتياح العراق والإمساك بتلابيب رئيس دولته، ترسل إشارات مرعبة لعدد كبير من الدول، بأن زمن الإمبراطورية الأميركية في المشرق العربي قد أصبح في شمس الضحى . وأن المشيئة الأميركية ستصبح المشيئة الأولى التي ستفرض نفسها سياسياً واقتصادياً على دول منطقتنا لفترة طويلة قادمة .
وسيصبح من الصعب على أعداء الولايات المتحدة أو حتى حلفائها أن يقفوا ضد إرادتها السياسية، لأن لجوء الولايات المتحدة إلى التهديد بتغيير الزعامات العربية واصطفاء الصفوة الموالية لها، سيجعلها تتخذ من الإجراءات والقرارات الضاغطة ما يخدم مصالحها في المقام الأول دون أدنى التفات لمصالح الدول الأخرى، وستكون هذه الهيمنة مفروضة على حلفاء الولايات المتحدة ومناوئيها على قدر سواء.
ومن هنا يأتي السؤال، كيف يمكن للزعامات العربية التحرك في المستقبل؟ ويكمن الجواب في أن الزعامات العربية يمكن أن تعمق من شرعيتها في انغراسها في تربتها الوطنية في المقام الأول. وتركيز انتمائها وعلاقاتها بصفة أصيلة في جذورها الوطنية، لأنه لم يعد بالإمكان الفصل بين هامة الشجرة وجذورها. وكلما كانت الهامة متصلة بالجذور، كلما أصبح من الصعب على أية عاصفة خارجية أن تقتلع الشجرة لأن جذورها غائرة في الأرض، ومتشبثة بالتربة الوطنية .
كما سيمثل الوضع السياسي الجديد فرصة لحلفاء الولايات المتحدة أن يلعبوا دوراً أكبر في الساحة السياسية والإعلامية الأميركية الداخلية. فالولايات المتحدة ليست مرتكزة على سياسة أحادية، بل هناك تنوع وحتى انفتاح في الرأي بين أعداد كبيرة من المواطنين وبين أصحاب الرأي العام. لذلك فإذا ما كانت هذه الأحداث تمثل نهاية لسياسة خارجية عربية مستقلة، فإن إعادة السياسة العربية إلى داخل الولايات المتحدة والعمل بجد وم