مغزى التهديدات الصينية لتايوان
يوم الأربعاء الموافق 19 نوفمبر 2003 صدر عن الصين تهديد قوي بأنها ستهاجم تايوان إذا ما استمرت في السير قدماً في مساعيها الهادفة إلى إعلان الاستقلال الرسمي وذلك عن طريق استفتاء مقترح يجري عام 2006 لتغيير الدستور التايواني الحالي· ويعتبر هذا التهديد هو الأول من نوعه الذي تطلقه الخطابة الصينية خلال الثلاث سنوات الماضية تقريباً· وقد وصفت جهات صينية رسمية بأن ما تقوم به تايوان حالياً من تصرفات ربما يجعل من استخدام القوة أمراً غير قابل للتفادي· وفي أعقاب التهديد رد المسؤولون التايوانيون على ذلك قائلين إنهم لا يستطيعون تقبل أي تدخل في شؤونهم الداخلية من قبل أي قطر خارجي غير ديمقراطي·
إن هذه الخطابة العسكرية التي تنطوي على لغة تهديد من قبل الصين تم النظر إليها من قبل المراقبين السياسيين والمحللين والدبلوماسيين الغربيين على أنها لغة معتدلة ولكنها واضحة· فهي بمثابة طلقة تحذيرية مبكرة للأسرة الدولية وبشكل خاص للولايات المتحدة وأوروبا الغربية من قبل الصين بأنها لن تسمح لتايوان بأن تعتبر نفسها دولة مستقلة عن الوطن الأم· ويقابل ذلك أن الولايات المتحدة تبذل جهوداً هادئة منهجية لتسليح تايوان ومؤازرتها·
وفي هذا السياق فإن الأمور لا تبدو خطيرة جداً على رغم التهديدات الصينية، فتلك التهديدات لا تعني نشوب الحرب بالضرورة أو أنها على الأبواب في المستقبل المنظور· إن ما يعنيه الوضع الحالي في تقديرنا هو أن الصين تبدو قلقة بعض الشيء من تصرفات القيادة السياسية التايوانية الحالية، وربما تشعر بأنها غير راغبة في الاستمرار في هدوئها حيال التصرفات التي تبديها تلك القيادة· إن التهديدات الصينية توضح أيضاً بأن لدى الصين مدارسها الفكرية الخاصة بها حول كيفية التعامل مع الموضوعات الخاصة بالسياسة الخارجية· والدليل على ذلك هو أن تلك التهديدات أطلقت ضمن مؤتمر علمي ونشرت في صحيفة صينية ناطقة باللغة الإنجليزية وليس في وسائل الإعلام الرسمية· وخلال السنوات الثلاث الماضية تبنت بيكين نمطاً من الهجوم الهادئ حيال المسألة التايوانية متجنبة بذلك الخطابة النارية القوية التي كانت تنتهجها في الماضي·
إن الصين تنظر إلى تايوان على أنها جزء عضوي منها، وأنها الرابط الأخير في معادلة من شأنها أن تعيد إلى الوجود السيطرة الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها الصين في آسيا· ومع كون الصين ضالعة الآن بعمق في إدارة مشكلة كوريا الشمالية فإن الخلاف حول تايوان يبقى خلافاً قابلاً للانفجار بقوة وذا طبيعة خطرة من شأنها أن تخل بالأمن في شرق آسيا· وخاصة أن الولايات المتحدة ملتزمة بقوة في دعم تايوان وتسليحها· إن ما يعنيه ذلك بقي دائماً كأمر يكتنفه الغموض في استراتيجية الولايات المتحدة الشرق آسيوية·
والسبب الذي يدفع بالصين إلى التمسك بتايوان بهذه القوة، على رغم المخاطر الكامنة في امكانية أن يؤدي ذلك إلى حرب مدمرة ومواجهة مع الولايات المتحدة هو أن تايوان تعتبر بالمقاييس النسبية من أغنى دول العالم وأنجحها على الصعيد الاقتصادي، فسكانها على رغم قلة عددهم من أنشط البشر في العالم واقتصادها هو الأضخم بين معظم دول العالم التي تتشابه معها من حيث الحجم والمساحة وعدد السكان والموارد الاقتصادية الطبيعية·
ويلاحظ أن العديد من المفكرين التقدميين في الصين بمن فيهم نشطاء السلام الذين يعارضون الحرب بأية صيغة كانوا يعزفون عن الادلاء بأفكارهم عندما يثار موضوع تايوان، فالمسألة ترتبط بعمق بالأفكار الصينية المتعلقة بالسيادة الوطنية أو حتى بالهدف الاستراتيجي القائل إن الحزب الشيوعي هو الحكومة الصينية لكامل التراب الوطني، وتايوان جزء من ذلك التراب·وعندما تم انتخاب رئيس تايوان الحالي عام 2000 على أساس أنها مستقلة عن الصين، وذلك في أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في الجزيرة كان رد فعل الصين على ذلك قاسياً جداً وبقي اسم الرئيس التايواني ممنوعاً نشره أو إذاعته في وسائل الإعلام الصينية الرسمية·
خلاصة القول هي أن أي هجوم صيني على تايوان سيرقى إلى أن يصبح كارثة حقيقية على آسيا لأن التداعيات التي يمكن أن يحدثها ذلك غير قابلة للتنبؤ بها· ولكن المهم في الأمر هو أن التهديدات الصينية لتايوان تثبت بشكل قاطع أنه لا يوجد خيار مستبعد في أجندة الصين الاستراتيجية تجاه تايوان·