انتاب الشارع العربي إحساسان متناقضان، كلاهما صحيح، يعبر كل منهما عن واقع نفسي، توتر بين الفرح والحزن، الرضا والغضب، التمني وقبول الأمر الواقع وذلك يوم القبض على رمز النظام العراقي السابق، في حفرة من الأرض لا تتجاوز المترين، وعلي عمق سبعة أمتار، كث اللحية، غائر النظرات، صامتا· ربما يسترجع بالذكريات أياما خلت عندما كان ينتقل من قصر إلى قصر، وبيده الصولجان· فإذلال العربي، قائدا أو شعبا مهين لكرامة العرب· وهزيمة التحدي الأميركي تخيب الآمال في الانتصار عليه· والنصر الأميركي بعد استدراجه في مستنقع العراق إنقاذ لأهدافها من العدوان· والأمثلة العامية والأقوال المأثورة كثيرة (ارحموا عزيز قوم ذل)، (أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم9· انتهى رمز التحدي للقطب الواحد والذي جند الملايين من أنصار السلام في العواصم الغربية تدافع عن العراق وفلسطين وأفغانستان· لا يعني ذلك تأييد الرمز بل معارضة العدو وفي المثل (أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب) أخافت صواريخ(سكود) إسرائيل في حرب الخليج الثانية· وأسلحة الدمار الشامل، حقيقة أم إيهاما، كانت ترهب الكيان الإسرائيلي· كانت نهضة العراق العلمية والصناعية نموذجا للتنمية الحديثة· نموذج كوريا الجنوبية، بالحديد والنار والذي كانت الاستثمارات الأميركية أكبر عون فيه·
والحزن أيضا شعور صادق· فقد أصبح في النهاية رمزاً للوطنية العراقية· يُهتف باسمه بعد كل عملية فدائية· كان ضحية خيانة قادة الجيش والحرس الوطني ليلة تسليم بغداد واختفى الجيش وسط الشعب بأسلحته الخفيفة والثقيلة· وانطلقت حرب العصابات تذكّر بحرب فيتنام في الستينيات والجنرال جياب· فلا فرق بين مستنقع فيتنام ووحل العراق· شعب في مواجهة جيش، وعمليات فدائية في مواجهة قوات غزو واحتلال· تحول الرمز الذي يحيي القلوب إلى واقع مميت· والضابط الأميركي الطبيب يفحص الأسنان والحلق ببطارية صغيرة تكشف عن لون الدم الأحمر في الفم· ويعبث بالشعر الكثيف لمعرفة مدي الالتهابات في جلد الرأس والوجه· لا فرق بين وضع الأميركي قدمه على رأس المواطن العراقي بشبهة الوطنية وبين استسلام رأس النظام السابق لأيدي الأميركي تعبث به كيفما تشاء· يعم الحزن جمهور المثقفين فهم الذين يتعاملون مع الرموز، ويدافعون عن حقوق الشعوب، ويقفون في مواجهة العدوان عليها· هم الذين يتأثرون بنماذج البطولة والفداء، ويشعرون بمآسي الهزائم وأفراح النصر· هم الذين يقدرون عالم المعاني وأهمية الصور الذهنية وقدرة الخيال على الوطنية وإبداع عوالم جديدة تساعد على تجاوز آلام الواقع والاستسلام لموازين القوى الظاهرة، واللجوء إلى أسباب القوى الأخرى، البقاء على الحلم وعالم الإمكانيات·
ويعم الفرح لأن الشعب العراقي بل والشعب العربي تخلص من أسوأ فترة في تاريخه الحديث، فترة المقابر الجماعية، وتصفية المعارضين، وإلقاء النابالم في حلبجة، وقتل آلاف الأبرياء في حرب الخليج الأولى بعدوانه على الثورة الإسلامية في إيران وطعنها في الظهر، وهي صامدة أمام الاستكبار العالمي الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية، وأضاع آلاف المدرعات والدبابات التي كان يمكنها أن تقيم سياجا حول إسرائيل· فأين الجبهة في الشرق أم في الغرب؟ دفعته أميركا كي تضرب العدو بالصديق، (يقتلون أنفسهم بأيديهم)· ويصفي العرب والمسلمون بعضهم بعضا دون ما حاجة إلى عدوان أميركي أو إسرائيلي· ويحقق حلم إسرائيل بالتخلص من جبهة الشرق وبعدها الجغرافي شرق سوريا في العراق وإيران· ثم غامر مرة ثانية بالعدوان على الكويت بدفع من الولايات المتحدة الأميركية أيضا حتى يدمر العرب أنفسهم بأنفسهم، وينقسموا على أنفسهم· البعض يمول العراق بالمال والسلاح ضد إيران، والبعض الآخر يمول إيران بالمال والسلاح ضد العراق· وفريق ثالث يؤيد الخصمين المتحاربين تجنبا لشرورهما المحتملة في المستقبل· وتم حصار شعب العراق أخذا بجريرة النظام أكثر من عشر سنوات، واستشهد وأصيب ملايين الأطفال العراقيين· وضاعت ثروة العراق، وأصبحت نهبا للطامعين· وتفرق العرب، وهمشت قضية العرب الرئيسية، فلسطين· وغطت مأساة العراق على ما يحدث في السودان وسوريا·
أما فرح الشارع العراقي فقد يكون البعض منه مفتعلاً وليس كله· فلم يعانِ شعب من نظام كما عانى شعب العراق· ومن كان يرقص لرمز النظام بنفس القوة والحماس منذ بضعة أشهر فإنه يرقص أيضا عندما يتهاوى الرمز بالقوة والحماس نفسهما· فالشعب في حاجة إلى انتصار وإظهار مشاعر الفرح وهو في أعمق الأحزان· (زوربا اليوناني) يرقص من الألم، ويفرج عن همه بالحركة· وقبل ذلك رقص بعض نواب مجلس الشعب المصري وسط أحزان الهزيمة، هزيمة يونيو 1967 عندما تراجع الرمز عن الاستقالة· ففرح العودة له الأولوية على هزيمة الوطن· والإعلام خبير بذلك، يحول الأفراح إلى أحزان، والأحزان إلى أفراح، والعداوة إلى صداقة، والصداقة إلى عداوة· إن فرح أحزاب المعارضة، الماركسية أو غيرها إنما هو فرح موقوت· فالحزن على منع الأحزاب الشيوعية في الوطن العر


