انتشرت في الكتابات والأحاديث العربية ما يطلق عليه (ثقافة المؤامرة)، والتي تعني وجود مؤامرة وراء كل تصرف فردي أو جماعي أو دولي ضد شخص أو مجموعة أشخاص أو ضد الدول· وبداية أود أن أشير إلى أن التاريخ الحديث يعج بالكثير من المؤامرات أو الاتفاقات السرية الخارجية التي حيكت ضد بعض الدول العربية، طمعاً في تحقيق مصالح استعمارية ولأهداف استراتيجية، مثل مؤتمر (كامبل بنرمان) الذي عقد في لندن خلال الفترة 1905-1907، وقرر استعمار الوطن العربي، واتفاقية (سايكس بيكو) التي وقعت في القاهرة عام 1916 لتقسيم السلطنة العثمانية والاستيلاء على المشرق العربي، ووعد بلفور عام 1917 الذي كانت نتيجته سقوط فلسطين في أيدي الصهيونية· ولكن بعض العرب درجوا على البحث عن مشجب يعلقون عليه عجزهم وأخطاءهم وتخلفهم وأزماتهم، فلم يجدوا سوى (المؤامرة)، المارد الكامن وراء كل هذا الهوان والتدهور الذي يكابده العرب· ولأن عقلية المؤامرة حاضرة في الثقافة كما في السياسة والاقتصاد فنحن نميل إلى تصديق أي كلام يقال دونما إثبات أو تمحيص، وطالما أنه مبرر جاهز فهو يلاقي هوى في النفوس· ومع اقتراب نهاية عام 2003 الذي كشف بوضوح الإخفاقات العربية في كل مناحي الحياة، رأيت ضرورة التخفيف من وقع هذا الانكشاف بإعلان صريح: (احترامي للمؤامرة)·
احترامي للمؤامرة التي أسقطت الطاغية المستبد في أيدي الطغاة، استسلم مستكيناً بعد أن نسي صلفه وخيلاءه وجرائمه في (حفرة العنكبوت)· سقط الرئيس والزعيم والحاكم والأمين العام لحزب (البعث) والقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس قيادة الثورة والعراقي الأوحد، وبقي العراق منقسماً ومفككاً وفاقداً أقل صور التماسك، وتراجع المجتمع العراقي إلى العصور الوسطى· ولتستمر المؤامرة في محاولة إصلاح ما أفسده صدام وزبانيته، فإذا نجحت يكون الفضل للشعب العراقي، وإذا فشلت فلا تخرج عن كونها إحدى المؤامرات المدبرة ضد الدول العربية·
احترامي للمؤامرة التي دفعت بملايين العراقيين إلى سجون صدام، ودفعت ملايين آخرين إلى الهرب من البطش والهجرة خارج العراق ودفنت ملايين غيرهم نتيجة أطماع وطموحات فردية، وحولت الهزيمة النكراء إلى (أم المعارك)، وغيرت وجه بغداد العريقة، وأشعلت العراق حريقاً· ولكن من سمة النشامى النسيان، وتحميل المؤامرة كل ما كان، فربما يكون هناك اتفاق بين نظام صدام ونظام بوش، ليحل كل منهما مشكلاته على حساب الآخر، على أن تتحمل واشنطن تكلفة ما سيفقده صدام·
احترامي للمؤامرة التي جعلت من الشعب الفلسطيني (رهين المحبسين)، فسلطة الاحتلال تقهره وتفرض الأمر الواقع، وسلطة عرفات تستنزف قواه وتدفعه إلى المجهول، والمؤامرة مستمرة حتى يستسلم الفلسطينيون لشارون وزمرته، وتنتشر المستوطنات الصهيونية، وتضيع دولة فلسطين فداء للمؤامرة·
احترامي للمؤامرة التي جعلت من العرب والمسلمين أكبر قوة عالمية تقف ضد الدولة العظمى وتهددها وتدمر أبراجها، لتجبرها على الانصياع للمطالب العربية والمصالح الاستراتيجية الإسلامية، بعد أن امتلك العرب والمسلمون كل أسباب القوة والمنعة، وانتشرت قواتهم في أنحاء المعمورة بحثاً عن (ابن بوش) وسعوا لتحرير كل شعوب الأرض من الهيمنة الأميركية والتسلط الغربي·
احترامي للمؤامرة التي عطلت عجلة الإصلاح السياسي في الوطن العربي، وأمسكت بتلابيب الحكومات لتمنعها من اتخاذ الخطوات اللازمة نحو التطور السياسي، وسمحت للدول الغربية وبعض الدول الآسيوية بالاستمتاع بالديمقراطية وأن تنعم بالحرية والمساواة وحقوق البشر·
احترامي للمؤامرة التي لم تسمح لمعظم الدول العربية أن تخرج من عنق الزجاجة، لتظل أسيرة التدهور الاقتصادي وتراجع مستوى دخل الفرد، وتفتقد أدوات الإنتاج الصناعي والتكنولوجي والزراعي، وتبدد ثرواتها المادية والبشرية، ولا تأخذ بأسباب التقدم، وتنسى أن للكون نواميس وقوانين لا تحابي أحداً مسلماً كان أو نصرانياً أو هندوسياً أو بوذياً، فمن أخذ بأسباب القوة وصل·
احترامي للمؤامرة التي دفعت المواطن العربي إلى أن يبحث عن لقمة العيش قبل أن يولد، ولذلك لا يستطيع أن يفكر في حاضره أو مستقبله، لأنه بالكاد يحاول أن يعيش يومه، ويفتقد الأمن الشخصي والأمن الغذائي بمفهومه الشامل، ونتيجة لشدة المؤامرة وقسوتها، فقد بات يحلم بغد جديد يصنعه غيره، ويصحو على هاجس الوعود الوردية للمنقذ الأميركي·
احترامي للمؤامرة التي جعلت من الجامعة العربية نادياً للخطابة، والعمل دون رقابة، وأفسحت المجال للتنفيس عن المواقف الشفوية والمشاجرات العفوية، ليسير العرب بلا هدى وتزداد فرقتهم، وتتشتت جهودهم، وتتفرق كلمتهم، وتستمر المؤامرة لتمنع العرب من إصلاح جامعتهم التي فرقتهم·
احترامي للمؤامرة التي نشرت الوساطة والفساد والرشوة واختزلت الأخلاق والمبادئ، ودمرت الأعراف والقيم العربية الأصيلة، وعطلت بعض الضمائر التي تتولى مسؤولية إدارة المال العام، وألغت بعض العقول لتجعل من التطرف والإرهاب الطريق إلى الجنة·
احترامي للمؤامرة التي