في الحادي عشر من أكتوبر عام 1939، تقدم العالم اليهودي الشهير (ألبرت اينشتاين) بخطاب إلى الرئيس الأميركي (فرانكلين روزفلت) يحثه على الإسراع في إنتاج قنبلة نووية· وعملاً بهذه النصيحة، أصدر روزفلت أوامره للبحرية الأميركية بتعجيل البحوث في مجال الانشطار النووي، والتي قامت بدورها بتخصيص منحة مالية لجامعة كولومبيا، ليولد بذلك ما أصبح يعرف في التاريخ بمشروع منهاتن (Manhattan Project)· وبعد سنوات من البحوث جنى الأميركيون وعلماؤهم ثمار هذا المشروع، في شكل قنبلتين نوويتين غيرتا مجرى التاريخ البشري إلى الأبد· القنبلة الأولى والتي عرفت بالولد الصغير (Little Boy) أسقطت على مدينة (هيروشيما) اليابانية في السادس من أغسطس عام 1945، لتقتل أكثر من 150 ألف ياباني في لحظتها، ومن بعدهم عشرات الآلاف في الشهور التي تلت· أما القنبلة الثانية والتي عرفت بالرجل السمين (Fat Man)، فأسقطها الأميركيون على مدينة ناجازاكي بعد ثلاثة أيام من القنبلة الأولى، لتقتل بدورها عشرات الآلاف وتسمم مئات الآلاف الآخرين بالتلوث الإشعاعي· هاتان القنبلتان وما تسببتا فيه من مذبحتين لم يشهد العالم مثلهما من قبل، اعتبرتا أهم الأمثلة على ما يمكن أن ينتج من تحالف العلم والسياسة أو العلم والحرب· فعلى رغم أن العلم عبر السنين قد وفر السبل والوسائل التي مكنت جنرالات الحرب من قتل أكبر عدد من بني جنسهم بأسهل وأسرع وأرخص الطرق، إلا أن الطاقة النووية وصلت بفن القتل الجماعي إلى مستوى لم يكن ليخطر على بال الشيطان نفسه·
ولكن على رغم أن العلم كان دائماً في خدمة السياسة وعبداً مطيعاً لفن الحرب، إلا أن السياسة كثيراً ما كانت عائقاً أمام التقدم العلمي والتطور الإنساني· هذه الحقيقة ظهرت جلية للعيان في بداية هذا الأسبوع، عندما انتهى اجتماع عقد في العاصمة الأميركية واشنطن، دون الاتفاق على مكان محدد لبناء أول مفاعل دولي مخصص لبحوث الطاقة النووية الاندماجية (International Thermonuclear Experimental Reactor) والمعروف اختصاراً بـ(ايتر) (Iter)· هذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من الدول الناشطة في مجال الطاقة النووية الاندماجية، وهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا وكوريا الجنوبية، كان المفترض فيه الاختيار بين موقعين في فرنسا واليابان لبناء المفاعل النووي الاندماجي· وعلى رغم أن الموقع الفرنسي يتمتع بمزايا كبيرة مقارنة بالموقع الياباني، إلا أن الولايات المتحدة قررت معارضة الاختيار الفرنسي، ليس لسبب إلا معاقبة فرنسا على معارضتها للحرب على العراق·
وبعيداً عن الآثار السلبية المترتبة على التعنت الأميركي وأثرها على التطور العلمي وعلى صعيد ديناميكيات السياسة الدولية، يجب أن نتوقف قليلاً عند مفهوم وأهمية الطاقة النووية الاندماجية، وما يمكن أن تحمله لمستقبل الجنس البشري· بداية نذكر أن الطاقة النووية أو الذرية التي يحصدها الإنسان حالياً، من القنابل النووية أو من المفاعلات المخصصة للأغراض السلمية هي طاقة انشطارية، أي طاقة تنتج من شطر نواة الذرة· فكما نعلم جميعاً، تتكون ذرات المواد من نواة من البروتونات والنيوترونات تدور حولها إلكترونات، تماماً كما تدور الكواكب حول النجوم· وما توصل إليه مشروع منهاتن هو كيفية الحصول على طاقة هائلة، من خلال شطر ذرات بعض المواد إلى نواتين أو أكثر· فمثلاً على رغم أن قنبلة الرجل السمين التي ألقيت على ناجازاكي كان وزنها لا يتعدى الخمسة أطنان، إلا أن القوة التي نتجت عنها كانت تعادل 20 ألف طن من مادة (تي إن تي) شديدة الانفجار·
ومثلما يمكن إنتاج كمية هائلة من شطر النواة (nuclear fission)، وهي العملية الفيزيائية المستخدمة في القنابل الذرية المعروفة بالقنابل الهيدروجينية· هذه العملية أيضاً شائعة الوجود في الكون كذلك، فالضوء الصادر من النجوم المرصعة للسماء كالشمس مثلاً، ما هو إلا نتاج اندماج مستمر لأنوية العناصر الموجودة في تلك النجوم، أو بعبارة أخرى ما هو إلا نتاج انفجارات نووية اندماجية هائلة الحجم على سطح تلك النجوم· وكما نجح الإنسان في تدجين الطاقة النووية الانشطارية في الاستخدامات السلمية، يسعى العلماء منذ عقود لتدجين الطاقة النووية الاندماجية كمصدر للطاقة والكهرباء توفر للجنس البشري احتياجاته في المستقبل· فالطاقة الاندماجية تتميز بميزات عديدة عن الطاقة الانشطارية المستخدمة حالياً، مثل اعتمادها على الهيدروجين الثقيل· فعنصر الهيدروجين (أحد مكونات الماء) موجود بغزارة في الطبيعة، وهو ما يجعل منه مصدر طاقة متجددا ومتوفرا دون أية تكلفة تذكر· ويعتبر توفر عنصر الهيدروجين من خلال الماء، من أهم المزايا السياسية للطاقة الاندماجية، حيث لا يمكن لدولة أو كارتل التحكم في مصدره· ومن المزايا السياسية أيضاً للطاقة الاندماجية، أن المواد المستخدمة في إنتاجها لا يمكن إعادة توجيه استخدامها في الأغراض العسكرية· فمن المعروف أن العالم حالياً يواجه مشكلة من المفاعلات النووية الانشطار