هل سيسمح القبض على صدام حسين بفتح صفحة جديدة في المسألة العراقية؟ وهل سيكون من نتائج اعتقاله، ضمن احتمالات أخرى، التمهيد لمصالحة ممكنة بين الدول التي عارضت الحرب مثل ألمانيا، وفرنسا وروسيا، والدولتين اللتين شنتاها، أي الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى تحديدا؟
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، في مداخلته التي أعقبت القبض على ديكتاتور بغداد السابق صدام حسين، أعلن أن الولايات المتحدة الأميركية تمد يدها الآن مبسوطة إلى جميع الدول التي اختلفت معها في وجهات النظر، في المرحلة السابقة من الحرب. ولكن من غير الأكيد أن اعتقال صدام حسين سيكون له أثر كبير أو سيؤدي إلى تحول يعتد به سواء فيما يخص المصالحة الأميركية مع تلك الدول أو غيرها من مسائل أخرى وفي مقدمتها (احتمال انحسار أو توقف الأعمال المسلحة الموجهة ضد قوات الاحتلال، على سبيل المثال)، إذ قد لا يعرف الوضع تبدلا ذا شأن، لا في خريطة المواقف الدولية ولا في الوضع الأمني في العراق. فلكي تقوم باريس وموسكو وبرلين بتغيير مواقفها، لا يكفي فقط الإعلان عن اعتقال صدام وتحييده، واعتبار التفاهم أمراً محسوما بخصوص ما هو سائد من شوائب العلاقات الدولية وكأن كل شيء قد انتهى. وهنا بالذات ربما يتعين على الأميركيين أن يعرفوا أن ما هو مطلوب منهم واضح وصريح وهو تغيير سياستهم الانفرادية الحالية في العراق، وتبني سياسة أخرى يمكن لهذه الدول الثلاث دعمها والقبول بها. كما يتعين على الأميركيين أيضا أن يعرفوا أن مواقف باريس وبرلين وموسكو لا شأن لها البتة ببقاء صدام حسين طليقاً أو اعتقاله. فاختلافات هذه الدول مع سياسة الإدارة الأميركية تستند إلى مبادئ راسخة وتحفظات مبررة، وذات جذور أعمق بكثير، منها ما يقوم على اعتبارات قانونية (خرق القانون الدولي) ومنها ما يقوم أيضا على مستوى سياسي (فاحتلال بلد عربي عسكريا يبدو عمليا سببا لتنمية الإرهاب لا طريقا لمحاربته)، وغني عن البيان أن كل هذا لا شأن لمعالجته بمجرد وضع صدام وراء القضبان·
وعلى الأرجح أن جورج دبليو بوش حين تحدث عن يد ممدودة، فإنما كان يمارس قبل كل شيء نوعا من الإحالة إلى مهمة مبعوثه الخاص، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جيمس بيكر الذي جاء إلى أوروبا محاولا الحصول على خفضٍ أو تقليصٍ أو حتى إلغاء بالمرة للديون العراقية المستحقة لهذه الدول التي كانت في مقدمة شركاء العراق التجاريين. ومعنى ذلك ينبغي أن يكون واضحا، وهو أن مشاركة هذه الدول، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إعمار العراق مطلوبة أميركيا، ولكن دون إشراكها في المسؤولية السياسية عن الوضع القائم. لكن المفارقة هنا هي أن جورج دبليو بوش أبدى في ذات الوقت معارضته لإمكانية دخول شركات الدول التي رفضت الإسهام في الحرب على العراق، في مشروعات إعادة إعمار هذا البلد. إذاً، ما هو الدافع لباريس، وموسكو وبرلين، لتغيير سياساتها، سوى أن تقرّ على نفسها بأنها كانت مخطئة، من البداية. لا شك أن الأميركيين هم من سيرتكبون في الحقيقة خطأ خطيرا إذا ظلوا يتصرفون على هذا النحو.
إن الأميركيين، في الواقع، يوشكون الآن على أن يخفقوا -على الأرجح- في اغتنام الفرصة الوحيدة المتاحة لهم. فاعتقال صدام يرسم في الحقيقة خط النهاية لمرحلة واحدة فقط من مراحل الحرب ولكنه قد يعني بداية مراحل أخرى مختلفة. وهنا يستطيع الأميركيون الإعلان الآن أنهم أنهوا مهمتهم، وأنهم حرروا الشعب العراقي من شبح عودة صدام إلى السلطة مجدداً. وتحديداً يمكنهم تسليم السلطة إلى العراقيين، وإعطاء مجال حركة سياسي أكبر للمجتمع الدولي في العراق. وفي هذه الحالة يستطيع الأميركيون مغادرة العراق برأس مرفوعة، وليس تحت تأثير أو على وقع الهجمات التي تستهدفهم. وسيكون خروجهم هذا من موقف قوة، يسمح لهم بإعطاء انطباع بأنهم لم يتصرفوا على هذا النحو طيلة الحرب سعيا لتحقيق غايات جيوبوليتيكية أنانية، وإنما بوازع من الشعور بالمسؤولية إزاء العراقيين.
أما إذا لم يقدم الأميركيون على هذا الخيار الآن، فإنهم يجازفون بمواجهة ذات المصاعب الجسيمة التي كانت تؤرقهم قبل القبض على صدام، إذ سيبقون محل استهداف من قبل الهجمات المسلحة على الأرض في العراق، إلى جانب استمرار عزلتهم الدبلوماسية الدولية. هذا فضلا عن كون الاحتلال طويل الأمد للعراق -الذي لم يعد ممكنا ابتداءً من الآن تبريره بأشباح صدام حسين- سيثير المزيد من موجات الغضب ضد الولايات المتحدة في صفوف الشعوب العربية والإسلامية.
قبل اندلاع الحرب ارتكب الأميركيون خطأ حين تصوروا أن قوتهم العسكرية وحدها كفيلة بالسماح لهم بممارسة السياسة التي يرونها. ولكنهم كانوا واهمين، كما نعرف الآن جميعا. صحيح أن اعتقال صدام يعد انتصارا كبيرا لبوش على مستوى العلاقات العامة. ولكنه إذا لم يترجم هذا الإنجاز بسرعة إلى تقدم سياسي، فإنه لن يفيده في شيء وستتلاشى فوائد هذا الاعتقال بالنسبة إلى بوش. وذلك لسبب بسيط، فحظوظ الرئيس الأميركي في استثمار القبض على صدام في إعادة انت


