أكثر ما يمكن أن نفعله بعد القبض على صدام هو أن نعرب عن ارتياحنا ونهنئ إخواننا العراقيين بزوال (أم الكوابيس) عن حياتهم إلى الأبد·· ولا أعتقد أن الأمر يستحق أكثر من ذلك· أما ترديد أن إلقاء القبض على صدام سيكون مؤثرا على اجتماعات قادة مجلس التعاون الخليجي فلا قيمة له ، فوجود صدام في السجن كوجوده خارجه بعد أن فقد كل شيء وضيع العراق··· ولا اعتقد أن من الحكمة أن تولي دول مجلس التعاون اهتماما كبيرا لهذا الحدث على رغم أهميته الشكلية··· فلو كان إلقاء القبض على صدام في مثل هذا الوقت من العام الماضي لكانت للأمر قيمة كبيرة ونتائج أفضل بكثير أما اليوم فلا···
إن وضع صدام خلال أقل من خمسة عشر عاما تحول تحولات دراماتيكية· مثيرة ووجوده على رأس النظام في العراق تحول مئة وثمانين درجة إلى النقيض· ومنذ بداية حكم صدام حسين وإلى اليوم والمنطقة تعيش في توتر والمفارقة أن قبل غزو الكويت عام 1990 كان وجود صدام صمام أمان للمنطقة وبعد غزوته المشؤومة تحول إلى أكثر الأسباب توترا للمنطقة· واليوم وبعد أن ألقي القبض عليه أصبح بلا قيمة ولا يحسب له أي حساب! ولكن ما زال الوضع في المنطقة متوترا · فقد يكون خطر صدام قد زال ومغامراته ومفاجآته انتهت ولكن وضعا جديدا طرأ في العراق وهو يقلق المنطقة أكثر من السابق· فبين احتلال قوي وقتال لا يتوقف تبقى المنطقة على فوهة بركان ووسط مستنقع من الموت والدمار لابد من الخروج منه بأسرع وقت·
ويبدو أنه كتب على هذه المنطقة أن تعيش أجواء التوتر ويبدو أن زمن الاستقرار النسبي قد ولى بعد أن امتلأت المنطقة بالجيوش والجنود والآليات العسكرية والطائرات الحربية ولم يعد أمام دول المنطقة إلا البحث عن أفضل الطرق للتعايش مع المتغيرات التي تشهدها والتي تنجر إليها المنطقة الخليجية والعربية بقوة كبيرة وسرعة شديدة لا تسمح بأي تراجع·
لا أعتقد أنها باتت مفارقة أن تمر المنطقة قبل كل قمة خليجية بأحداث مهمة ومفصلية، وارجعوا إلى أجنداتكم وستتأكدون من ذلك· ففي العام الماضي كان الحديث عن الحرب على العراق، وقبله الحرب على الإرهاب وحرب أفغانستان وقبله الانتفاضة الفلسطينية·· وهذا يجعلنا نرى ونؤمن بأن الوضع الحالي طبيعي ومن المهم أن نكون مستعدين لتطورات وأحداث جديدة ستشهدها المنطقة قبل القمة الخليجية القادمة· والأهم من كل ذلك أن نضع نصب أعيننا أهدافنا الاستراتيجية ونسعى إلى تحقيقها دون ربطها بأحداث اليوم أو تغيرات الغد، بعد أن تأكدنا أن المنطقة أصبحت مسرحا للأحداث الكبيرة وليس من المنطق ربط مصير دول المنطقة بتلك الأحداث أو بما يحدث قبل القمة أو ما يجب أن يحدث بعدها·
الملفات الخليجية كثيرة والتركيز عليها أمر في غاية الأهمية فتطوير عملية المشاركة الشعبية وتطبيق الديمقراطية إلى جانب تطوير التعليم وترسيخ مفهوم التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة أمور في غاية الأهمية بالإضافة إلى محاربة الإرهاب ووضع استراتيجية للتعامل الايجابي مع تلك المجموعات التي تسير في طريق الظلام· والأحداث الأخيرة في المنطقة أكدت أن الوضع في دول الخليج بشكل عام متشابه ولا يمكن فصل أي دولة عن أخرى فالمصير المشترك للدول الست - الذي نكرر الحديث عنه - هو كلام واقعي وحقيقي· فما يصيب الرياض يؤثر على أبوظبي ويؤلم الدوحة ويغضب الكويت ويقض مضجع المنامة ويجرح مسقط والإرهاب أصبح أكبر هموم المنطقة لأنه وبكل بساطة أصبح لا يفرق بين هذه الدولة وتلك، فكل ما أصبح يهم الإرهابيين هو التفجير والتخريب والتأثير على هذه الدولة أو تلك من خلال عمليات (انتقامية) وبالتالي فإن أية بقعة على الأرض هي هدف للإرهابيين··
لذا فإن من الطبيعي أن يكون الهاجس الأمني هو الهم الجاثم على صدر الخليج المسالم والتعاون والتبادل المعلوماتي (الاستخباراتي) ربما يكون محاولة لتفادي وقوع أضرار أكبر ومحاولة لمحاصرة اندفاع وجنون الإرهابيين الذين يسعون إلى خراب المنطقة·· لذا كان من المهم أن ينال موضوع مكافحة الإرهاب الاهتمام من قادة المجلس في اجتماعهم الأخير في الكويت·· أما الإصلاح السياسي فهو الجزء الآخر المهم من معادلة الاستقرار في المنطقة والتي لا يمكن أن يتم مكافحة الإرهاب واقتلاعه من جذوره إلا بالقيام بإصلاحات سياسية على جميع المستويات التنفيذية والتي من شأنها أن تساهم في تخفيف الضغط على الحكومات والشعوب في الوقت نفسه···
تلك القضايا وغيرها أمور مهمة لا يمكن الانشغال عنها بأحداث عالمية أكبر بكثير من حجم دول المنطقة ومجلس تعاونها ، ولكن ذلك لا يعني أن تبتعد دول الخليج عن الأحداث السياسية الكبيرة ويبقى دورها (معدوما)··بل يفترض أن يكون لها دور أكبر فيها ويجب أن تستفيد من كونها قوة اقتصادية مهمة ومن أكبر الأسواق الاستهلاكية بالإضافة إلى انه على رغم تطورها في بعض المجالات الإنتاجية إلا أنها لا تستغل هذا الوضع الاقتصادي المتميز كما تفعل كثير من دول العالم· فالاقتصاد هو الذي يحرك السياسة إلا أن اقت