بعد مضي ستة وستين عاما على محاولة الأخوين رايت الفاشلة التحليق في الجو، تمكن أول رائد فضائي من المشي فوق سطح القمر. لكن وبعد مضي ثلث قرن على ذلك الإنجاز الفضائي الجبار، الذي حققته وكالة (ناسا) لبحوث الطيران والفضاء، ها نحن نجد أنفسنا وقد تضاءلت قدرتنا على التحليق في الفضاء، إلى ثلاثة مكوكات، ومحطة فضائية واحدة تدور في محور منخفض، تخدمها صواريخ سوفييتية أكل الدهر عليها وشرب. في تقديري أن الساعة قد أزفت لكي نفعل أحد أمرين، إما أن نسلم الراية لغيرنا وننفض أيدينا عن كل ما له صلة بالكشوفات الفضائية، أو أن نتصدى لمواصلة دورنا الريادي في هذا المجال، علما بأن الحديث عن الكشوفات الفضائية هنا، يتصل مباشرة بالرحلات الفضائية على المركبات المأهولة.
تناهى إلى سمعنا ما نقل عن بدء استعداد الرئيس بوش لإعلان خطة جديدة جريئة لوكالة (ناسا)، تشبه إلى حد كبير تلك التي كان قد أعلنها الرئيس الأسبق جون كينيدي في العام 1961· يذكر أن كينيدي هو من قدم وعدا للشعب الأميركي وللعالم كله، بوضع أول إنسان على سطح القمر قبل نهاية عقد الستينيات.
واليوم فإن بعض الفضائيين المتحمسين، يحثون الرئيس بوش على التوجه نحو كوكب المريخ. غير أن طول القنوات الإدارية التي سيمر بها هذا الاقتراح، وما يتضمنه من تكلفة مالية باهظة، يشيران معا إلى أن كل الذي سينتهي إليه الأمر، هو حزمة من التقارير والتصورات الخاصة بالمشروع، مرفقة معها حساباته وميزانيته الفلكية، والكثير الكثير من الطنين وعدم الرضا والاعتراضات المتوقعة. النتيجة النهائية المتوقعة هي اللاشيء، تماما مثلما انتهى إليه عهد أبيه جورج بوش الأب.
لكل ذلك فإن كان لنا أن نعود مجددا إلى مجد التحليق البشري في الفضاء وارتياد مجهول الكواكب الأخرى، فليكن هدفنا هو العودة إلى القمر. أعلم أن البعض سيقول لي: وما الجديد في هذا؟ فقد كنا هناك مسبقا؟ ما المغامرة.. وإلى آخره من سيل الأسئلة الاستنكارية. غير أني على ثقة تامة بأن العودة مرة أخرى إلى القمر، سيكون من شأنها تجديد الروح الاستكشافية المغامرة، وإحياء حلم التحليق البشري في الفضاء وارتياد المجهول، مما يؤدي إلى فتح آفاق المستقبل أمام المزيد من الحملات الاستكشافية الطموحة. لا أقصد هنا أن نكرر حرفيا تجربة (أبولو) السابقة وأن تنتهي الرحلة التالية للقمر بأن نخلف بعض بصمات وآثار أقدام الرواد والفضائيين في سطح القمر، لا أكثر. إن فعلنا ذلك، فإننا سنقعد بميزانية وكالة (ناسا)، ونكون قد دفعناها عمدا للتقاعس عن دورها الريادي العالمي الذي يجب عليها أن تؤديه في هذا المجال.
ما نعنيه هنا أن نعمل على تأسيس قاعدة قمرية راسخة، يستطيع المستكشفون والرواد من فوقها تطوير تكنولوجيا الفضاء التي يستخدمونها، وكذلك استحداث التقنيات اللازمة التي تمكنهم من غزو المريخ واستعماره. ويتطلب مثل هذا الطموح, رفع مستوى التعاون في جهود الكشف الفضائي بين مختلف الدول التي تشاركنا الاهتمام ذاته، فضلا عن التعاون مع المؤسسات ورؤوس الأموال الخاصة المتحمسة للاستثمار في هذا المجال، دون أن يؤدي ذلك لإرهاق ميزانية (ناسا) أو تقليص برامج الروبوتات الفضائية التي تمضي في تطويرها قدما الآن. ومثلما كانت عليه تجربة الأخوين رايت، فإن العامل الحاسم في نجاح جهود الفضاء، ليس هو المال، بقدر ما يعتمد على مدى الجدية وعشق المغامرة والسعي لخوضها.
ولدى إجرائنا مقارنة سريعة بين تجربة السفر إلى القمر، ومشروعات الذهاب إلى المريخ، سنجد أن هذه الأخيرة تتضمن سلسلة من التعقيدات والاستعدادات التي لا بد من أن تسبق مجرد التفكير في إرسال طاقم بشري فضائي إلى هناك. فلا بد أولا من إجراء مسوحات ودراسات كافية عن بيئة الكوكب ومدى ملاءمتها للبشر، وسلامة صحتهم. ويتطلب هذا إجراء دراسات وبحوث مكثفة ومكلفة في الوقت ذاته، لمناخ الكوكب وعناصره ومكوناته البيئية. كما يتطلب أيضا حساب كمية الطاقة التي يتطلبها وصول طاقم بشري عبر تلك المسافة البعيدة ، وحساب سلامته وعدم المغامرة بحياته. يشار هنا إلى أن مدة رحلة ومكوث الطاقم البشري الذي سيتم إرساله إلى المريخ، ستستغرق عدة شهور، بل سنوات، وليس بضعة أيام أو أسابيع مثلما كان عليه حال طاقم(أبولو) الذي كان قد ارتاد سطح القمر لأول مرة. كل هذه المسوحات والدراسات سيكون ممكنا إجراؤها بمستوى أفضل فيما لو تمكنا من إنشاء محطة فضائية ثابتة فوق سطح القمر. وبهذا المعنى، فإن الواجب الأول لهذه المحطة هو حفز البحث العلمي الفضائي ودراسة الآفاق والاحتمالات الممكنة للانطلاق من تلك المحطة إلى الكواكب الأبعد، تحقيقا لحلم المغامرة الفضائية.
تشير الدراسات الأولية لهذه المحطة إلى أن في الإمكان إنشاءها فوق أو قريبا من القطب الجنوبي للقمر. والسبب الرئيسي الذي يجعل من القطب الجنوبي مكانا أمثل لإنشاء هذه المحطة، هو أن قممه الجبلية المغطاة بأشعة الشمس، تجعل ممكنا تجميع الطاقة الشمسية والكهربية فيها دون صعوبة. أضف إلى ذلك أن السطح البارد الم