وهكذا ينتهي عام 2003 ونبدأ عاماً جديداً، وكالعادة يقوم كل منا - بصفة مباشرة أو غير مباشرة - بعمل كشف حساب عن العام المنصرم، كما تقوم الدول أيضاً - خاصة الديمقراطية - بعمل الشيء نفسه تحت ضغط الرأي العام فيها· والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان كثير منا هو: ماذا يخبئ العالم لنا وخاصة لمنطقتنا العربية مع حلول سنة 2004؟ والنقطة الرئيسية التي أود أن أؤكد عليها للإجابة على هذا السؤال هي الارتباط الوثيق بين ما يحدث عندنا وما يحدث في الولايات المتحدة ليس فقط على المستوى الإقليمي ولكن على المستوى العالمي· عام 2004 هو عام الترابط بين الجهتين، أي التأثير التبادلي والتفاعل الوثيق بين الفاعل والمفعول به من الناحيتين·
فبعد نهاية الحرب الباردة والثنائية القطبية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في بداية التسعينيات، أثير السؤال المهم عن شكل وهيكل النظام العالمي القادم: هل هو نظام متعدد الأقطاب يتميز بميزان القوى التقليدي كما قال كثيرون، أم هو نظام أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة كما قال فوكوياما وآخرون· وأحداث العراق ومنطقة الشرق الأوسط في أواخر سنة 2003 تبيّن أننا حالياً في نظام أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة· وتؤكد البيانات والمؤشرات الرقمية تربُّع الولايات المتحدة على قمة العالم دون منازع، كما نرى من المؤشرات التالية التي تتعرض لخمسة عوامل من أهم عوامل القوة الدولية:
1- بالنسبة للناتج الإجمالي القومي، تأتي الولايات المتحدة في المقدمة دون منازع (حوالى 10.082 تريليون دولار)، وهذا المبلغ هو بحجم مرة ونصف مقابل الناتج القومي الإجمالي للدولة التي تليها وهي الصين، وثلاث مرات الناتج القومي الإجمالي لليابان، وحوالى خَمَس مرات الناتج القومي الإجمالي في ألمانيا، وأكثر من ست مرات الناتج القومي الإجمالي لكل من فرنسا أو إنجلترا، وحوالى ثماني مرات النتاج القومي الإجمالي لروسيا·
2- حجم الصادرات: 730 مليار دولار للولايات المتحدة، وهو ضعف صادرات الدولة التي تليها مباشرة وهي اليابان·
3- الإنفاق العسكري: ويبلغ في الولايات المتحدة حالياً 335.7 مليار دولار، وهو مرة ونصف المبلغ المخصص في الدول التسع التي تلي الولايات المتحدة مجتمعة، وأكثر من عشر مرات الإنفاق العسكري في دولة مثل الصين التي يبلغ سكانها أكثر من أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة·
4- عدد الرؤوس النووية: وهو في الولايات المتحدة 10.640 رأساً نووياً أي مرة ونصف الدولة التي تليها في الترتيب وهي روسيا، وأكثر من 26 مرة الرؤوس النووية التي تمتلكها حالياً الصين·
5- عدد الفائزين الأميركيين بجائزة نوبل، ويبلغون حتى الآن 137 فائزاً، وهذا الرقم هو تقريباً ثلاثة أضعاف الدولتين اللتين تليان الولايات المتحدة مباشرة، وهما ألمانيا (49 فائزاً) وبريطانيا (47 فائزاً)· بل إن هذا التربُّع المطلق للولايات المتحدة على قمة المنظومة الدولية يتضح أيضاً في سبعة مؤشرات أخرى تعالج النواحي العسكرية، والاقتصادية، والدبلوماسية، والتكنولوجيا، والسينما، والموارد، والنواحي الاجتماعية· فتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى دون منازع في خمسة منها، بينما تأتي كندا في المرتبة الأولى في مؤشرين، وهما الناحية الاجتماعية وامتلاك الموارد· وكندا عامة هي حليف قوي للولايات المتحدة، والعضوء الدائم في منظمة (النافتا) للتجارة الحرة التي تجمعها مع الولايات المتحدة والمكسيك· ويعتبر المجتمع الكندي في كثير من خصائصه اللغوية والثقافية امتداداً طبيعياً للمجتمع الأميركي· وفي الواقع تعتمد كندا على الولايات المتحدة في 70% من صادراتها، كما أن الدولار الكندي يتأثر تأثراً مباشراً بالدولار الأميركي· وفي الواقع فإنه عند حدوث هجوم 11 سبتمبر وإغلاق مطارات نيويورك ولوس أنجلوس، كانت مطارات مونتريال، وتورنتو وفانكوفر مطارات أميركية تقريباً· باختصار القوة الكندية هي تقريباً إضافة إلى القوة الأميركية وليست متخاصمة معها·
وربما كنا نحن في المنطقة العربية أكثر من يشعر بهذه الهيمنة الأميركية، فالولايات المتحدة بعد احتلال العراق أصبحت القوة الشرق أوسطية فعلياً وليس فقط مجازاً، وعلى رغم أن الولايات المتحدة تواجه بعض الصعوبات إلا أنها ستبقى هي القوة المسيطرة في العراق حتى بعد هدوء المواجهة العسكرية· فمثلاً في المؤتمر الذي عُقد منذ حوالى شهرين لبحث إعادة إعمار العراق، كان نصيب الولايات المتحدة هو 18 مليار دولار أو 85% من نفقات تكاليف إعادة البناء، وهذا النصيب الكبير يضمن للولايات المتحدة توجيه عراق ما بعد الحرب·
وفي الواقع فإن الحديث عن العراق يجب أن يلفت النظر ليس فقط إلى تأثير الولايات المتحدة على المنطقة العربية، ولكن أيضاً إلى تأثير المنطقة على الولايات المتحدة نفسها، وخاصة في سنة 2004 وهي سنة انتخابات رئاسية· هذه الانتخابات التي يوليها الرئيس بوش وفريقه الاهتمام الأكبر بالطبع· فعلى رغم أن أحداث 11 سبتمبر وكذلك غزو العراق أعطيا هذا ا