كانوا، وهم على ذلك الشاطئ الأفريقي يلملمون أعمارهم وأشلاءهم وحقائبهم المكتنزة بالهدايا واللعب وأحلام الأطفال من أبنائهم وأقاربهم المنتظرين في قرى الجنوب والجبل البعيدة، وكأنهم يلملمون سنوات غربة كل لبناني أحب هذا الوطن فابتعد ليحافظ عليه في حناياه، محمياً من ألاعيب الساسة وحصادها المسموم· ابتعد وقبل في غربته قدره، فأعادته لأيام، حرقة دمعة أم أو حاجة أب أو شوق لا يحتمل لبحر كاللازورد وهواء من نوع خاص لا يعبأ في حقيبة·
من أقصى قرى الجنوب التي عضتها الحرب في القلب والخاصرة، وحيث لم يتبقَ سوى )الشهادة( خبزاً يومياً لا يقيت··· رحلوا في سفرة جهاد من نوع آخر·
إلى مجاهل أفريقيا وصلوا، طحنوا التراب الأسود وجبلوا العرق بالرغيف· مئات، شكلوا قدوة لآلاف، حملوا في صرر السفر زعتراً أخضر وكشكاً بقي كالثلج على رغم أن شمس أغسطس كوته على ذلك السطح المسيج بعريشة عنب وشجرة ياسمين·
هناك في نيجيريا والكونغو وبينين والسنغال وغيرها الكثير من المدن الأفريقية تاجروا بكل شيء· عمروا وأصبحوا جزءاً أساسياً في الحركة التجارية لكل بلد من هذه البلدان·
وهكذا··· صرر الزعتر والكشك غالباً ما تحولت إلى حقائب مليئة بالخير والرغد والأحلام المحققة، تصل مع المغتربين المسافرين في الأعياد لساعات طويلة لتكتحل العين برؤية الأهل ولبنان·
في ذلك الجنوب الجريح - البطل، وفي تلك القرى التي أهملتها سياسات حكومات لبنان الواحدة تلو الأخرى، وزع هؤلاء المغتربون جواهر صغيرة· اهتموا بالمهمل عن طريق )الجمعيات الإنسانية(، وأحياناً الجمعيات السياسية· شاركوا في التحرير بأموالهم وأولادهم وكان لما يسمى في لبنان بـ)مال أفريقيا( الأثر الواضح في المقاومة وفي الحفاظ على أرض الجنوب وابن الجنوب مغروساً في تلك الأرض·
ما حدث لطائرة البوينغ 727 المملوكة لشركة )ىو تي أيه( اللبنانية هو مصغر للبنان· فقد اجتمع بعض التجار اللبنانيين من أصحاب المصالح بين لبنان وأفريقيا وقرروا شراء هذه الطائرة القديمة لأن )شركة طيران الشرق الأوسط( الناقل الرسمي للبنان لا تصل رحلاتها إلى كوتونو·
وفي زحمة العيد وحسب ما جاء في الافتراضات الأولية لسبب حدوث الكارثة، قرر العديد من اللبنانيين في كوتونو وما حولها من مدن أفريقية تمضية ليلة رأس السنة في الوطن فتزاحموا على هذه الطائرة محملينها بأكثر ما يشتهي مغترب أن يحمله إلى وطنه··· فسقطت وهي تقلع، ليبلتع البحر كل الأفراح المنتظرة·
من الصعب اليوم مد أصابع الاتهام· فالصندوق الأسود لم يعثر عليه بعد والتحقيق في الكارثة بالكاد بدأ· إلا أن المسؤولين اللبنانيين من كبيرهم إلى أوسطهم نوهوا بـ)صمود( المغتربين مقدرين لهم شجاعتهم بمغامرة الاغتراب والكسب··· والعودة، كثر الله خيرهم·
ومع وصول الجرحى إلى مطار بيروت أمس وصناديق جثث القتلى اليوم، تكون دائرة الغربة قد اكتملت·
اللهم احفظنا في غربتنا يا أرحم الراحمين.


