من الطبيعي جدا أن تحرم الولايات المتحدة الأميركية الدول التي عارضت الحرب على نظام الديكتاتور صدام من عقود إعادة إعمار العراق.. ومن الطبيعي جدا، بل من المنطقي أن تتفرد الشركات الأميركية بنصيب الأسد من تلك العقود، أليست أميركا وبريطانيا هما الدولتان اللتان غامرتا بجنودهما وبأموالهما، وقدمتا أرواح العشرات من أبنائهما لطرد النظام البعثي البائد وتخليص العراقيين من بطشه؟ فهل من المنطقي إذا أن تقدم أميركا وبريطانيا مئات المليارات من خزائنهما وتقدما أرواح أبنائهما في مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر، ثم يأتي من عارضهما ليحصل على قطعة من الكعكة (باردة مبردة) هكذا بهذه السهولة؟·
استغربت كثيرا للإعلام العربي وللعديد من المحللين السياسيين والعسكريين وحتى الاقتصاديين العرب الذين احتجوا على قرار واشنطن استبعاد الشركات الألمانية والفرنسية والعربية من الحصول على أي عقد من عقود إعادة إعمار العراق، ليس هذا فحسب، بل تجرأ البعض من هؤلاء المحللين العرب فبادر بالمطالبة بمنح جزء من عقود إعادة الإعمار للشركات العربية في الدول التي عارضت بقوة الحرب على صدام!
لا أريد أن أدخل في التفاصيل أكثر، ولكنني فقط أريد أن أسأل هؤلاء (المحللين): ترى، بأي منطق تطالبون أميركا أن تمنح عقود إعادة أعمار العراق لشركات في دول دافعت عن نظام الطاغية؟ هل هو بمنطق (خذوه فغلوه)؟ أم هو بمنطق من لا منطق ولا مبدأ ولا عقل له؟
الذين أحضروا الأساطيل هم الأميركان والإنجليز، وهم الذين حشدوا المقاتلات والصواريخ لدك حصون صدام. والذين أدخلوا أبناءهم لمواجهة جنود صدام هم الأميركان والإنجليز، وهم الذين فقدوا بعضا من أبنائهم والعشرات من أعتدتهم العسكرية، فبالله عليكم، هل من المنطق بعد كل هذه الخسائر وهذا الضخ للمليارات من الدولارات من خزائن الدولتين، أن يأتي من جلس في بيته مشاهدا الحرب عبر الفضائيات ليحصل على نصيب من عملية إعادة إعمار ما دمرته مافيا (البعث) في العراق؟ أي منطق هذا وأية معادلة حسابية؟
عندما انتهت الحرب العالمية الثانية باستسلام الإمبراطورية اليابانية في 14 أغسطس 1945 ووقعت شروط التسليم في 2 سبتمبر 1945، بدأت الولايات المتحدة الأميركية على الفور عملية إعادة بناء اليابان وبناء ما دمرته الحرب، ووضعت خطة طموحة ضخمة لهذا الغرض، ولكن لم يجرؤ أحد من اليابانيين ولا من الدول التي وقفت مع اليابان في حربها مع أميركا أن يلزم واشنطن بإشراكها في عقود إعادة إعمار اليابان· وحدث الشيء ذاته مع ألمانيا التي استسلمت في السابع من مايو عام 1945 دون شروط· فقد وضعت الولايات المتحدة الاميركية آنذاك (خطة مارشال) لإعادة بناء أوروبا، ورصدت لهذه الخطة حوالى20 مليار دولار.. ولكن لم يجرؤ أحد على أن يطالبها بإشراك الشركات النازية أو شركات الدولة التي وقفت ضد الولايات المتحدة في حربها على ألمانيا في مسألة إعادة بناء أوروبا، فهي التي حاربت وقدمت 292 ألف قتيل من أبنائها في سبيل تخليص أوروبا والعالم من بطش النازية، وهي التي كان من حقها أن تحظى بكل النصيب من إعادة إعمار القارة، وإعمار اليابان· هكذا يقول المنطق.
وفي أمر إعادة إعمار العراق، فإن المنطق ذاته يفرض نفسه ويقول إن من حق أميركا أن تتفرد بجميع عقود إعادة الإعمار.