في الحقيقة، على رغم وجود الكثير من نقاط الالتقاء والتشابه بين كل من المفهوم الوضعي والمفهوم الإسلامي للجريمة الاقتصادية إلا أن نقاط الاختلاف قد تكون متعددة في أغلب المفاهيم وذلك نظراً لاختلاف العقائد والقواعد والأسس والمبادئ والنظم والأحكام والأهداف والغايات والمنطلقات في تفسير الجرائم الاقتصادية وطرق الوقاية منها وطرق علاجها· إن مفهوم الجريمة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي يكتسب معنىً أعم وأشمل وأوسع وأكثر وضوحاً ودقةً ومرونةً، لكن الاقتناع ومن ثم الاعتقاد الكامل به يقتصر فقط على المسلمين دون سواهم وذلك نظراً لارتباطه الوثيق بالجانب العقائدي كما أشرنا· وبالتالي فإن مفهوم الجريمة الاقتصادية في الاقتصاد الوضعي يعني بها جرائم المال وما يرتبط به من أعمال وإجراءات مثل جرائم غسيل الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، والغش والاختلاس، والسرقة والرشوة، والشيكات بدون رصيد، والفساد المالي والاحتيال، وتزوير حسابات الشركات والمنشآت الاقتصادية، والتهرب من الضرائب، والقرصنة من خلال الإنترنت والتجارة الالكترونية، واستغلال تكنولوجيا البطاقات البلاستيكية الممغنطة للقرصنة على البنوك والسطو والسيطرة على الأموال بشكل عام، وسرقة الإنتاج الفكري والإبداعي، وجرائم القتل والاغتصاب المرتبطة بالمال· وهذه كلها جرائم اقتصادية في المفهومين الوضعي والإسلامي إلا أن كلا منهما له تفاصيله وبيانه في مواجهة هذه الجرائم وعلاجها· ولقد اجتهدت الشرائع والنظم الوضعية في تصنيف هذه الجرائم وتحديدها بدقة وتحديد العقوبات اللازمة عليها· فأوجبت تلك التشريعات على الأفراد والمنشآت والجماعات والمؤسسات والشركات الالتزام بها حتى لا يعرضوا أنفسهم للمساءلة والعقوبة المفروضة· فأصبحت الوقاية من الجريمة ترتبط بمدى وعي الأفراد والجماعات والمنشآت بتلك القوانين والأنظمة والتشريعات ومدى استعداداتهم لاحترامها وعدم تجاوزها، كما ترتبط بمدى قدرة الأجهزة الأمنية والسلطات المختصة على الوقاية من تلك الجرائم· أي أن الاعتماد كله يصبح على رقابة الدولة ومتابعتها بكافة أجهزتها الأمنية والقضائية، مع الغياب التام للرقابة الذاتية للفرد، وذلك نظراً لارتباط الرقابة الذاتية بالجانب العقائدي الغيبي (الميتافيزيقي)، الذي يكاد ينعدم في المجتمعات التي تعتمد على النظم والقوانين الوضعية وخاصةً في الحياة الاقتصادية·
أما في الاقتصاد الإسلامي فالمفاهيم تختلف كثيراً· وتعتبر الرقابة الذاتية هي العنصر الرئيسي في الوقاية والعلاج معاً· فالفرد يراقب ربه في كل تصرفاته وأنشطته الاقتصادية سواءً وجد دور الدولة الرقابي أم لم يوجد، وذلك من منطلق عقائدي· ومن هذا المنطلق يصبح لقوة الإيمان وقوة الوازع الديني بعد اقتصادي وأمني في غاية الأهمية في مكافحة الجرائم الاقتصادية· ويعتبر ذلك تدعيماً مباشراً لقوة الدولة الأمنية في مكافحة الجرائم الاقتصادية لأنه لا يكلف الدولة أية مبالغ تذكر
وهناك في الحقيقة العديد من الجرائم الاقتصادية التي يعتبرها الاقتصاد الإسلامي جرائم ولا تعتبرها التشريعات والنظم الوضعية جرائم· ومن تلك الجرائم على سبيل الأمثلة جريمة الربا الذي تمارسه المصارف اليوم والذي أجمعت كافة المجامع الفقهية ومؤتمرات البنوك الإسلامية على حرمته· أي أنه جريمة اقتصادية كبرى، بل إن كثيراً من علماء المسلمين يعتبرونه أكبر جريمة اقتصادية وهو الذي يؤدي إلى خلق جرائم اقتصادية أخرى· وذلك نظراً للتشديد العظيم الذي نزل في تحريمه والذي لم ينزل في أية جريمة أخرى حتى كبائر الذنوب· ومن ذلك التشديد أن الله سبحانه توعد المتعاملين بالربا بحرب من الله ورسوله· ومن الأمثلة كذلك على الأنشطة الاقتصادية التي يجرمها الاقتصاد الإسلامي دون سواه من الأنظمة الاقتصادية صناعة الخمور والتبغ وتربية الخنازير وما يرتبط بذلك من أنشطة اقتصادية صناعية وزراعية وتجارية وتسويقية وشحن ونقل وتأمين وتمويل وعقارات وكافة الخدمات المرتبطة بها· وكذلك صناعة اللحوم والدواجن المذبوحة بطرق غير إسلامية· وكذلك استخدام المرأة في الأنشطة الاقتصادية المختلفة بطرق تخالف أحكام الشريعة الإسلامية وقيمها ومبادئها وخاصةً في الدعاية والإعلان والتسويق والسياحة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لهدم القيم الإنسانية والأخلاق بهدف الربح المالي، ومحلات المراقص والملاهي ولعب القمار والميسر، واستغلال الأفراد السلطات والنفوذ السياسي والإداري كدعامة للنفوذ الاقتصادي لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة، وإساءة استخدام الدولة لسلطاتها في تخصيص وتوزيع وإعادة توزيع الموارد الاقتصادية، وغيرها من الجرائم الاقتصادية التي تخالف أحكام وقيم ومبادئ الشريعة الإسلامية· ويرجع استبعاد مثل تلك الجرائم الاقتصادية من شرائعنا وقوانيننا وأنظمتنا الوضعية المعاصرة في العالم الإسلامي إلى أسباب عديدة أهمها الآتي:
(1) عدم اعتماد شرائعنا الوضعية على التشريع الإسلامي في الجوانب الاقتصادية والمالية·
(2) التخلف والتبعية وتقليد العادات ا