حققت الجهود الرامية إلى محاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، أخيرا مكاسب لا تخلو من الاستعراض وذات طابع استثنائي. فمع نهاية ديسمبر، أعلنت ليبيا تخليها الكامل والنهائي عن السعي إلى امتلاك أية أسلحة نووية أو بيولوجية أو كيميائية، وذلك بعد جهود عدة أشهر من التنسيق مع الإنجليز والأميركيين. وقبل هذا التطور، في نوفمبر كانت إيران قد سلكت السلوك نفسه بعد وساطة بريطانية، ألمانية، وفرنسية. ومن الآن فصاعدا يمكننا القول إن الضغوط ستتركز على سوريا لكي تبادر هي أيضا بدورها إلى التخلي عن أي سعي لامتلاك هذا النوع من الأسلحة. ونذكر الآن جميعا أنه بحجة العمل على مقاومة انتشار أسلحة الدمار الشامل، شنت الحرب على العراق، من الأساس.
لكن السؤال الآن هو: هل هذه الإنجازات المتلاحقة التي تحققها جهود مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل ظاهريا، تعني، في الواقع، شيئا يعتدّ به، في نهاية التحليل، لجهة منع انتشارها؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال ربما يقتضي الأمر، أن نثير بعض النقاط، التي تضيء الموقف الراهن من أبعاده المختلفة.
وأول ما يتعين علينا قوله هو أن مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل تشكل هاجسا يؤرق فقط دول الشمال، التي تمتلك، للمفارقة، هي نفسها أسلحة نووية. أما بالنسبة إلى خمسة أسداس البشرية الذين يعيشون في الجزء الجنوبي من المعمورة فإن التحديات الأكثر إلحاحا لا تتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وإنما ترتبط بنظم الأمن والدفاع الإقليمية، وتعزيز بنى الأمن الوطني والعالمي المؤثرة عليها، والعمل على تفادي الحروب الأهلية. وبالمختصر المفيد، فإن هذه العبارة الفضفاضة: (أسلحة الدمار الشامل)، تخفي وراء عموميتها حقائق كثيرة مختلفة، وبالغة التعقيد. فهذه التسمية تضع على مستوى واحد الأسلحة النووية -التي هي أسلحة ردع حقيقية- والأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي لا ترقى إلى ذلك المستوى وليست على تلك الدرجة نفسها من الخطورة المريعة.
هل حقا أن الإفناء لا يتم إلا بأسلحة الدمار الشامل؟ علينا أن ننعش الذاكرة قليلا لنتذكر أنه بضربات السواطير وحدها تمت الإبادة الجماعية واقترفت المجازر خلال الخمس عشرة سنة الماضية في رواندا. ثم هل علينا أن نذكّر بأن أشد ضربة تعرضت لها الولايات المتحدة في تاريخها- هجمات 11 سبتمبر- تمت باستخدام وسائل أقل ما يمكن أن يقال عنها هو إنها في غاية البساطة، ولا تحمل أي بعد ظاهري تكتيكي في الأحوال العادية، مثل الشفرات المعدنية وبطاقات السفر على متن طائرات النقل المدني المعتادة؟
وثمة مفارقة لابد من تسجيلها، وهي أنه في الوقت الذي تتخذ فيه الولايات نفسها من الحرب على الإرهاب ما يشبه حصانا رابحا مسرجا لكل المعارك، فإنها لا تقدم إجابة واضحة لسؤال ملحّ هو: ألا يوجد شيء أولى وأشد إلحاحا، حقيقة -إذا كنا نريد فعلا صيانة السلم والأمن الدوليين- من ليّ أذرع الحكومات والأنظمة العربية، وإعطاء الانطباع بالقدرة على جعلها تذعن للمطالب الأميركية؟ وهل الحكومتان الليبية والسورية تمتلكان حقا ما من شأنه أن يشكل تهديدا جديا للولايات المتحدة؟ إن ليبيا التي تقل ميزانية إنفاقها العسكري 400 مرة عما تنفقه الولايات المتحدة في المجال نفسه، لم تطور برنامجا لحيازة أسلحة الدمار الشامل يعتد به. لا ليبيا، ولا سوريا كانت قريبة أو في وضع يجعلها في وارد امتلاك أسلحة ذرية، والدولتان انضمتا إلى اتفاق حظر انتشار الأسلحة النووية. وكل ما تمتلكه الدولتان، أو يعتقد أنهما تمتلكانه، هو قدرات صغيرة في مجال الأسلحة الكيميائية. وليس سرا أن أنظمة عربية كثيرة ترفض التوقيع على اتفاق حظر الأسلحة الكيميائية ما لم تتخلّ إسرائيل عن الاحتفاظ بترسانتها من الأسلحة النووية. وهنا بالذات نكون أمام ازدواجية معايير صارخة. إذ في الوقت الذي تتكاثف الضغوط، بشكل بالغ القسوة والصرامة- لكي لا نقول ما هو أكثر من ذلك- على الدول العربية والإسلامية، لكي تتخلى عن أي امتلاك، محتمل، لأسلحة الدمار الشامل، في ذات الوقت لا أحد يحرك ساكنا لجعل إسرائيل تتخلى هي أيضا بدورها عما لديها من أسلحة نووية. علما بأن الدولة العبرية تمتلك ترسانة تقدر بـ200 رأس نووي، هذا دون الحديث عن برامجها المتعلقة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي يعترف الأميركيون بوجودها دون مواربة.
إن كثيرا من المراقبين- ليس فقط في البلدان العربية- يسجلون الآن بامتعاض هذا التناقض الفاضح، وازدواجية المعايير المكشوفة. ولكن مع ذلك لا أحد يتوقع أن يرى واشنطن تلوي ذراع إسرائيل وترغمها على التوقيع على اتفاق الحد من انتشار الأسلحة النووية، وخاصة أننا على أبواب سنة انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة. ما هو متوقع حقا، على الأرجح، هو ازدياد مدى الإحباط في قطاعات واسعة من الرأي العام. وهو إحباط أصبحنا نعلم الآن جميعا أنه مع مرور الوقت يتحول إلى مرعى وسبب مؤكد لتفشي الإرهاب.
وفوق ذلك فإن الاجتماع المقبل لمؤتمر التحقق من مكافحة انتشار الأسلحة النووية سنة 2005 ، سيشهد قطعا إثارة