وحدهما المنطقة العربية.. وأفريقيا، منحتا الشرعية الأميركية استقرارها على مقعد السيادة خلال عام 2003· بينما مضت أشكال تحديها بدرجة أو بأخرى في آسيا وأميركا اللاتينية· ففي تينك الأخيرتين برز أوائل العام نجم البرازيل من انتخاب رئيسها المناور (لولا) إلى مؤتمر (بورتو أليجري) ضد العولمة إلى موقفها الصلب مؤخرا في اجتماعات منظمة التجارة العالمية بكانكون· كما برزت في آسيا كوريا الشمالية بتحديها السافر؛ لمخطط الاستقرار الأميركي النووي، وماليزيا بالرسائل الحادة من مهاتير محمد مصوبة نحو (الاستبداد الغربي)··· لم تلق الولايات المتحدة التحية إلا في فضائها الأفريقي، على رغم -أو بسبب- الهلع الذي أصاب القارة عقب العنف الأميركي في العراق، والعنف الإسرائيلي في فلسطين؛ وكأن الالتحام العربي الأفريقي لا يتجلى إلا في المصائب! وإذا شئنا أن نأخذ بأقرب الأحداث لا أبعدها لتقريب مأساة العرب والأفارقة إلى الأذهان؛ فلنأخذ وقائع الشمال العربي الأفريقي، الرابط الحيوي للمنطقتين، بل والنموذج الحيوي أيضا لمشاهد (البطولة)، أو الرغبة في التكامل الإقليمي، وقد جاء الإعلان الليبي (الشجاع) عن تطهير أراضيها من السلاح النووي الجبار، والإعراب عن خالص نواياها في حياة السلام·· والوئام، خير تعبير عن الرغبة في تحقيق (الارتياح الأميركي) إلى السلوك! العربي السليم، ولطمأنة (العدو الغاشم) في المنطقة إلى (النوايا السلامية) العربية! وحيث لا يرتاح الأميركيون لـ(تجمع القمة) الإقليمية في الشمال الأفريقي نكاية في فرنسا وليس إنجازا لمصالح باهرة لهم في المنطقة، فليعمد قادة هذه المنطقة إلى الراحة في مقارهم بدلا من متاعب التنافس الفرنسي الأميركي في اجتماع (قمة المغارب) في الجزائر، حتى لو أدى الأمر إلى أن تشرب شعوب هذه المنطقة) زيوتها) وأن يأكلوا حصرم فاكهتهم أو غلالهم، وحتى لو وقعوا منفردين عقود (الشراكة) الأوروبية أو المتوسطية، أو استعد بعضهم للتحارب المدمر مع الآخر في الصحراء الغربية· فما بال كل هذه الهموم أمام ارتياح الصديق الأميركي واستقراره في المنطقة؟ ولعل بترول أحدها أو غاز الآخر يطفئ الظمأ الأميركي إلى التسيد وعزل عناصر القوة المتنوعة في المنطقة العربية، وكأن (الرضى الأميركي) أفيد من رضى الشعوب التي تتطلع بدورها للسيادة الوطنية لا التسيد·
فإذا ما تأمنت المصالح، الأميركية في أقصى الشمال الأفريقي، فإنها لابد ستتجادل مع ما يجري في منطقة الربط الأخرى بين العرب والأفارقة، ففي شبه القارة السودانية لابد أن يستقر أيضا الحل الأميركي· وللانصاف فلقد كنا جميعا مع مثل هذا الحل أو قريبا منه على أن يكون (ذاتيا)، وحقنا للدماء والتوترات، وانبثاقا لدولة يتوفر لها حظ كبير من الوزن والدور في شمال وشرق ووسط القارة المرهقة بالجراح· لكن ها هي الرياح الأميركية تهب بحلولها المبتكرة، (دولة واحدة ونظامان)، ولتأكل الأطراف بعضها بعضا في ظل الحكمة الأميركية! ويكفي إشاعة مصطلح (تقاسم الثروة) ضمن القواميس الجديدة حتى بديلا لـ(المشاركة السياسية) أو الحكم الجيد أو التنمية الشاملة والمستدامة للأقاليم، أو التوزيع العادل للثروة، فكل هذه مصطلحات مضى عليها الزمن، ولا تثير فتنا، ولذا لابد من توصيل مصطلحات (التقاسم) ومضمونها للأكراد والشيعة والأمازيغ أو (الهوسا) أو (الهوكو) بزخمها السوداني الجديد لأن المصطلحات السياسية التقليدية لا تتفق مع المزاج الأميركي في التجديد وإشاعة الاستقرار، بنفس جديد!
وفي عام 2003 الذي نشرف على نهايته، انتهت السلطة الأميركية وحدها من مشكلات مزمنة أخرى في الساحة الأفريقية، في سيراليون، وليبيريا، والكونغو، ورواندا، وأنجولا وتنال الصومال نسبيا· كانت طلائع القوة الأميركية هي التي خلعت (تايلور) من ليبيريا وجعلته بعد خلع قادة سيراليون نموذجا لوعظ قادة ساحل العاج وغينيا وغيرهما، ولتصبح صديقتها الحميمة بنيجريا القوة الاقليمية الضاربة التي يمتد ذراعها مدعوما بالسلاح الأميركي أداة لاستقرار إقليمي لابد أن يرى فيه البعض ملامح الاستقرار لأنفسهم·
أما في الجنوب الأفريقي، فقد بدأ العام بأخبار التخلص من أكبر اضطراب أحدثه (سافمبي) في أنجولا لربع قرن تقريبا، في أراضي الماس والبترول وكان لابد من الوصول إلى حل معضلات هذه المنطقة، والاتفاق النهائي على (تقاسم الثروة) في المنطقة ككل وان كان ليس بين أبناء المنطقة كما هو الزعم في مناطق أخرى، لكن استقرار انجولا كان مفيدا لتنسحب بجيشها القوي من دائرة تحركها المشاغب في الكونغو (موقع ثروات خطيرة أخرى) بل ومفيدا لاستقرار الحكم في جنوب أفريقيا، مع قيادة شابه تطرح نموذجا آخر غير نموذج مانديلا (المشاغب بدوره) ممثلا في الرئيس (مبيكي)· وتتمتع جنوب أفريقيا بنصف استثمارات الولايات المتحدة تقريبا في أفريقيا، وتشكل مع نيجيريا قطبي الرحى، في البرنامج الأميركي عن (التجارة مقابل السلام) والتي يؤطرها برنامج (أجوا) AGOA الذي صاغه (كلينتون) الديمقراطي لينفذه وريثه (الجمهوري)! وفي